بولسة الجنوب!

0
903

كان المرحوم العقيد محمد بن حمد عبد الغني وزيرا للداخلية في آخر أيام حكم بومدين.. حملنا كصحفيين في طائرة خاصة من نوع بوينغ 737 الحديثة آنذاك، من الجزائر إلى أدرار، لتنصيب أول وال لهذه الولاية، لعلاونة.

دشن الوزير، عضو مجلس الثورة، بالمناسبة عدة مشاريع في دائرة أدرار، التي تحولت إلى ولاية. كان من بين المشاريع المدشنة، آنذاك، مديرية الشرطة ومقر المحكمة.. والحبس ودار الوالي! المجهزة بمسبح خاص، بلغت تكلفته ما يعادل سعر قرية اشتراكية آنذاك.

طلب منا المرحوم عبد الغني، كصحفيين، أن نقدّم للشعب الجزائري هذه الإنجازات المهمة في ولاية حديثة.. فقلت له: كيف نقدّم للشعب الجزائري وشعب أدرار هذه الإنجازات وهي عبارة عن وسائل قمع، من الحبس إلى المحكمة إلى مديرية الشرطة؟! أين هو المستشفى؟! وأين هي الثانوية.. وأين هو القطار أو الحافلة؟ وأين هو المصنع أو المزرعة بين هذه الإنجازات؟! قطع الوزير التلفزة التي كانت تسجل وقل لي: أنت لم تجد متى تسأل هذا السؤال إلا عندما بدأت التلفزة تسجل!! تذكرت هذه الحادثة، التي عمرها أكثـر من 35سنة، عندما سمعت بأن السلطة في الجزائر عمدت إلى تخصيص 10 آلاف وظيفة للبطالين في الجنوب، لتشغيلهم كشرطة لحماية أمن المنطقة؟! والأسئلة التي تطرح نفسها هي:

– هل تلاحظون أي تغير في منطق السلطة بين السبعينيات واليوم؟!
– هل الجنوب فيه، بالفعل، عجز أمني يقدر حجمه بعشرة آلاف شرطي؟!
– أليس العدد، 10 آلاف شرطي، يكفي حتى لضمان أمن الجيران في المغرب وموريتانيا والسنغال ومالي والنيجر..؟! أليست القوات التي تدخّلت بها فرنسا لإنهاء حالة اللا أمن في كل منطقة الساحل لا يتجاوز عددها 5 آلاف جندي؟!
– بهذا المقياس أليس الأمر يعتبر فقط إيجاد وسيلة لدفع أجور للمتظاهرين، وإلباسهم لباس الشرطة، وليس تشغيلهم، بالفعل، كشرطة؟!
– تصوروا معي هؤلاء الذين تظاهروا من أجل العمل يجدون أنفسهم يحملون الهراوات ويجرون وراء زملائهم الذين لم يجدوا عملا في الصحراء، أو في أماكن أخرى؟! مثل هذه الأمور لا تحصل إلا في الجزائر.. وتمارسها، بالفعل، سلطة بلا قيم وبلا مبادئ، وحتى بلا أخلاق؟!
– الناس في الجنوب يريدون مصانع ومزارع ومستشفيات وجامعات ومدن وطرق ومطارات وفنادق سياحية.. والسلطة وفّرت لهم وظائف شرطة وهراوات! والسلطة بهذا أصبحت عاجزة حتى على تصور التنمية في الجنوب، فما بالك بإنجازها؟! وبعد 40 سنة مازلنا نرى أن التنمية في الجنوب هي توفير الشرطة والمحكمة والسجن.. وتوفير الفيلا بالمسبح للوالي والمدير و”الكومسير”! تماما مثلما قال لنا المرحوم عبد الغني.. ذهاب الموظفين من الشمال إلى العمل في الجنوب يتطلب حدا مقبولا من الرفاهية؟!
هذا الكلام نُشر في وقته.

أفريل 2013

أترك تعليق