تداعيات خطيرة لفضيحة “موروكو-غيت” على مستقبل المخزن

0
504

تتسع دائرة فضيحة الفساد المدوية التي تورطت فيها بشكل كامل أجهزة المخزن المغربي وضربت مؤسسات الاتحاد الأوروبي في الصميم، والتي عرفت فيما بعد بفضيحة “موروكو-غيت”، باعتبارها أضخم وأكبر فضيحة فساد تعرفها أوروبا في القرن الأخير، لتكشف عن تداعيات خطيرة جديدة على حاضر ومستقبل المخزن المغربي، وعلى مصالحه الحيوية التي باتت مهددة بشكل كبير، بعد أن اقتنعت أوروبا قاطبة اليوم، أن هذا النظام الذي يوجد خلف مجمل الفضائح التي تعرفها المنطقة، قد صار خطرا عليها وعلى الديمقراطية والمؤسسات الأوروبية ومن اللازم الوقوف في وجهه.

وشكلت زيارة جوزيف بوريل، رئيس لجنتي الدفاع والخارجية في المفوضية الأوروبية، الخميس والجمعة الماضيين، إلى المغرب، صفعة قوية جديدة في وجه المخزن الذي كان من الواضح أنه خضع خلال تلك الزيارة “لتحقيق سياسي” صارم، بالموازاة مع استمرار التحقيقات القضائية في هذا الملف الخطير، حيث طرح بوريل خلال لقائه مع كل من رئيس الوزراء عزيز أخنوش ووزير الخارجية ناصر بوريطة، صراحة وعلانية ملف قضية الفساد التي يتهم فيها المخزن بالضلوع فيها، والتحقيقات الجارية حوله، مشيرا إلى حقيقة “أنهم قلقون من المزاعم الخطيرة” التي تثار حول هذا الملف، إلا أنه، كما قال بصيغة فيها تهديد واضح، “لا يمكن أن يكون هناك إفلات من العقاب على الفساد”.

وبينما شدد بوريل خلال زيارته تلك على السلطات المغربية بضرورة التعاون من الجميع في هذا التحقيق، تشير مصادر الإعلام الأوروبي المهتمة بهذا الملف الوسخ، بالإضافة الى تورط رئيس الوزراء المغربي أخنوش في الفضيحة عندما كان في السابق وزيرا للفلاحة، بعد اعترافات النائب الفرنسي السابق في البرلمان الأوروبي، جوزي بوفي، إلى تورط كامل لثلاثة أسماء مغربية رفيعة المستوى في عمليات إرشاء النواب الأوروبيين بغرض التأثير على قرارات الاتحاد الأوروبي، ويتعلق الأمر، بحسب تلك المصادر، بكل من ياسين المنصوري مدير المخابرات المغربي، والمدعو بلحرشي أو أم 118 وعبد الرحيم عثمون سفير المغرب ببولندا، في حين قد تصل قائمة النواب الأوروبيين المتورطين في تلقي الرشاوى إلى 60 اسما بينهم وعلى رأسهم النائب الإيطالي السابق بيير أنطونيو بانزيري.

زيارة بوريل وهروب الملك إلى الغابون

وكان لافتا أن زيارة جوزيف بوريل إلى المغرب للتحقيق في قضية الفساد الكبرى التي تهز اليوم أركان الاتحاد الأوروبي، كانت وراء هروب الملك محمد السادس إلى الغابون، بداعي الاحتفال برأس السنة الميلادية الجديد، على الرغم من أن الملك يحمل لقب أمير المؤمنين.

وتؤكد بعض المصادر المتابعة للملف، أن هروب الملك إلى الغابون جاء بالفعل مع هذه الزيارة الخاصة حتى لا تطاله التحقيقات، وبغرض الإيحاء بأن المؤسسات والأجهزة المغربية المتورطة في الفضيحة، على غرار جهازي المخابرات والحكومة، هي أجهزة مستقلة، وأن الملك بوصفه يتولى إمارة المؤمنين على حسب الادعاءات المخزنية، لا علاقة له بالموضوع ولا علم له بما تقوم به تلك الأجهزة.

وتخشى الدوائر المخزنية كثيرا من التداعيات الثقيلة لهذه الفضيحة التي تجاوزت في حدتها، باقي الفضائح الأخرى التي تورط فيها المخزن، من قبيل فضيحة “بيغاسوس”، أو فضيحة المجزرة الجماعية في مليلية ضد المهاجرين الأفارقة أو غيرها، بأنها قد تشكل تهديدا مباشرا للأسرة العلوية نفسها، وهو الأمر الذي ستكون له عواقب وخيمة على مجمل منظومة الحكم الراهنة وشبكاته وأذرعه.

وقد عبر وزير الخارجية المغربي بوريطة بوضوح على تلك المخاوف وعلى حجم الورطة التي وجد المخزن نفسه فيها، عندما أكد خلال زيارة بوريل للرباط، أن “المضايقات والهجمات الإعلامية المتعددة” التي تستهدف الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي “تأتي من الأشخاص والهياكل التي أزعجها هذا المغرب الذي يحرر نفسه ويعزز دوره”، في إشارة واضحة منه إلى الجزائر، وإلى الاتهامات الجاهزة التي عادة ما يوجهها المخزن للجزائر في كل مرة يجد نفسه محشورا في الزاوية بغرض تغليط الرأي العام المغربي أو جلب التعاطف مع أفعاله الفضحائية، وذلك على الرغم من أن تلك الأبواق تدرك تماما أنه لا يوجد أي تقرير أوروبي أو إشارة للجزائر ضمن لائحة الفضائح المسجلة، وأن كل الفضائح المسجلة تقريبا مرتبطة أو مصدرها المخزن.

إلا أن مثل هذه الأساليب المخزنية المكشوفة، لم تعد على ما يبدو تنطلي على أحد، فهروب الملك إلى الغابون، وتصريحات بوريطة الاستفزازية، وتحريك أبواق الإعلام المخزني على غرار ما تقوم به قناة “ميدي 1 تي في” منذ زيارة بوريل باستدعاء أعداء الجزائر للتهجم عليها وتحميلها مسؤولية التآمر على المغرب بشراء لوبيات معادية، يظهر بجلاء حجم التخبط والورطة التي وجد المخزن نفسه فيها، بعد أن فشلت أجهزته الاستخبارية بغباء شديد في فضح أنفسهم، وترك عشرات الدلائل خلفهم على تورط المخزن الكامل في محاولات شراء ذمم النواب الأوربيين والتأثير على سياسات الاتحاد الأوروبي.

المخزن يخسر ملف الصحراء

وتظهر خسارة المخزن لملف الصحراء الغربية، كأحد أبرز النتائج أو التداعيات المباشرة لفضيحة “موروكو-غيت” هذه، حيث أكد المسؤول الأوروبي الأول على حقيقة لطالما عمل المخزن على نكرانها، وهي أن الاتحاد لا يثق ولا يتبنى فكرة “الحكم الذاتي” المغربية كأساس لحل مشكلة الصحراء الغربية، إنما يدعم الحل السياسي وتقرير المصير.

وأكد بوريل الذي جاء إلى المغرب محملا بملف اتهامات خطيرة في حق المخزن، ليؤكد في عقر دار المغاربة وأمام المسؤولين المغاربة أن الاتحاد الأوروبي يدعم حلا سياسيا عادلا في الصحراء الغربية في إطار الأمم المتحدة، لتتبخر بذلك أوهام المخزن الذي ظل يمني النفس بأن هذه الزيارة ستكون خاتمة جهوده الدبلوماسية لإقناع الأوروبيين بوجهة نظره، إلا أن الأوروبيين أدركوا بشكل كامل الآن أن المخزن المتورط في فضيحة إرشاء النواب الأوربيين لتغيير مواقفهم من هذه القضية تحديدا، لن يكون بمقدوره الآن مواصلة سياسة الابتزاز التي كان يمارسها من قبل كما فعل مع الحكومة الإسبانية ومع بيدرو سانشيز شخصيا، وأن أوروبا الآن موحدة للوقوف في وجه تلك الابتزازات.

وعليه، سيكون من الصعب جدا، إن لم يكن من المستحيل مستقبلا، أن يتبنى الاتحاد الأوربي الرؤية المخزنية لحل مشكلة الصحراء الغربية، ليس فقط لأنه يتطلب موقفا من البرلمان الأوروبي ومجلس أوروبا، وليس فقط لأن وزن الجزائر ضمن المعادلة بات كبيرا جدا، خاصة مع دخول ورقة الغاز في المعادلة الجيوسياسية منذ حرب أوكرانيا، وإنما لان ظلال فضيحة “موروكو-غيت”، ستظل تلاحق كل من يحاول أن يقف من الأوروبيين إلى جانب المخزن في هذا الملف تحديدا.

تداعيات خطيرة وأخرى أخطر

وطبعا، لن يتسع المقام هنا لسرد جميع التداعيات الخطيرة على منظومة الحكم المخزني بعد تفجر هذه الفضيحة الكبرى، ومع ذلك فإن مؤشراتها بدأت بالفعل بتجميد عضوية ورفع حصانة النواب الأوروبيين سواء المتورطين في فضيحة الفساد تلك أو المشتبه فيهم، من السياسيين الذين ظلوا يشتغلون “زبائن” لدى أجهزة الاستخبارات المغربية.

وسيكون على المخزن أن يقر بخسارته لمجمل الطبقة السياسية الأوروبية التي اشتغل عليها طوال عقود طويلة، والتي استمالها سواء بالإغراءات المالية أو بالتهديدات والفضائح والتجسس، واعتمد عليها كلوبيات لتوجيه سياسات الاتحاد الأوروبي في القضايا التي تخدم مصالحه.

ولن يكون لقرارات وقف العمل باتفاقيات التبادل التجاري والصيد البحري الموقعة بين المغرب والاتحاد الأوروبي لكونها تخرق القانون الدولي بسبب امتدادها إلى إقليم الصحراء الغربية سوى مقدمة لما ستؤول إليه الأوضاع بعد هذه الفضيحة، لأن الأمر سيتجاوز التداعيات الاقتصادية للشراكة المهتزة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، بل سيمتد إلى الجوانب السياسية والموقف حتى من نظام الحكم المخزني، الذي تجرأ من قبل على التجسس عبر بيغاسوس على سياسيين وزعماء أوروبيين كبار على غرار الرئيس الفرنسي ماكرون، وها هو اليوم يثبت أنه نظام “فاشي” يستخدم جميع الوسائل الوسخة من رشى وفساد أخلاقي لشراء ذمم المؤسسات والسياسيين الأوروبيين.

وإذا كانت مرحلة اتخاذ القرارات الأوروبية الصعبة ضد نظام المخزن، من خلال مؤسسات الرئاسة والحكومات القائمة، تنتظر الانتهاء من التحقيقات بشكل كامل في حيثيات الفضيحة، فإن الأحزاب الأوروبية بدأت تأخذ المسافة المطلوبة من هكذا نظام مشبوه بل وتدعو علانية إلى محاسبته على جرائمه في حق أوروبا.

ولا يستبعد بعد ذلك أن تتطور المطالبات الحالية في وسائل الإعلام الأوربية لمحاكمة رئيس جهاز المخابرات المغربي ياسين المنصوري، إلى المطالبة غدا ليس فقط برأس أخنوش وبوريطة، وإنما برأس الملك محمد السادس نفسه، هذا إن توفرت لدى الأوروبيين نية محاسبة الفاسدين وبالتالي تحقيق ما توعد به بوريل في قلب المغرب بأنه “لا يمكن أن يكون هناك إفلات من العقاب على الفساد”.

 

فايبر أنا الجزائر… أخبار أكثر شاهد أكثر

أترك تعليق