الجزائر والنيجر: خلفية قرار إرسال مفرزة عسكرية وحكم القانون الدولي

0
68
  • الجيش الجزائري يتدخل لأول مرة خارج الوطن

أنا الجزائر: في جلسة طارئة عُقدت اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026، صادق مجلس الأمة الجزائري بالإجماع على التماس رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إرسال مفرزة من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر. ليكون الهدف المعلن هو “حماية المشاريع الاستثمارية لسوناطراك الدولية (سيباكس/SIPEX) بطلب رسمي من السلطات النيجيرية”.

  • كتب: زبير. ف

ويُنتظر أن يصوّت المجلس الشعبي الوطني مساء اليوم نفسه على القرار ذاته. يُعدّ هذا التصويت سابقة دستورية وتاريخية منذ مشاركة الجزائر في حرب أكتوبر 1973، ويستند صراحة إلى المادة 91 من دستور 2020.

الخلفيات الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية

لا يأتي القرار من فراغ. فهو يتكامل مع مسار متسارع من التعاون العسكري والأمني بين الجزائر ونيامي. زار وزير الدولة لشؤون الدفاع الوطني النيجري ساليفو مودي الجزائر مرتين خلال أسابيع قليلة، والتقى الرئيس تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة، ووقع الطرفان بروتوكول تعاون عسكري يركز على تأمين الحدود المشتركة ومكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات الميدانية للجيش النيجري.

سبق ذلك في أواخر أغسطس 2026 إرسال الجزائر أربع طائرات سو-30 ومروحيات وطائرات دعم إلى نيامي، بطلب نيجري، للمساعدة في التصدي لمحاولة تمرد/زعزعة استقرار استهدفت نظام الجنرال عبد الرحمن تياني. هذه الخطوات تعكس تحولاً عملياً في العقيدة الدفاعية الجزائرية من «عدم التدخل» التقليدي إلى مقاربة أمنية استباقية تأخذ في الاعتبار الترابط الوثيق بين الأمن الوطني والتطورات في منطقة الساحل.

المنطقة تشهد اتساعاً في نطاق التهديدات العابرة للحدود: انتشار الجماعات الإرهابية (مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة في الساحل)، والجريمة المنظمة، وتهريب الأسلحة والمخدرات، والنزاعات المسلحة. الحدود الجزائرية-النيجيرية الطويلة تجعل استقرار النيجر امتداداً مباشراً للأمن القومي الجزائري. كما أن النيجر عضو في تحالف دول الساحل (مع مالي وبوركينا فاسو)، والمنطقة تشهد إعادة ترتيب للتحالفات بعد انسحاب بعض القوى الغربية.

الاقتصادي لا يقل أهمية. تستثمر سوناطراك عبر فرعها سيباكس في كتلة كفرا شمال النيجر قرب الحدود الجزائرية. استُؤنفت الأنشطة في السنوات الأخيرة، وأُطلقت حملات حفر استكشافية (بما في ذلك بئر كافرا جنوب شرق 1 في أغسطس 2026) بالشراكة مع الشركة النيجيرية سونيداب. يرتبط الأمر أيضاً بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (نيجيريا-النيجر-الجزائر) الذي يُعدّ شرياناً استراتيجياً محتملاً. حماية هذه الاستثمارات ليست مجرد دفاع عن أصول اقتصادية، بل ضمان لمصالح حيوية جزائرية في بيئة أمنية هشة.

يُبرَّر القرار داخلياً بـ«مواكبة التحولات الأمنية الإقليمية» و«تكييف السياسة الدفاعية» و«اعتماد مقاربة استباقية» تحمي المصالح الحيوية والاستراتيجية للبلاد. وهو يتوافق مع المادة 30 من الدستور التي توسع مهام الجيش لتشمل الدفاع عن هذه المصالح.

ما الذي يحكم القانون الدولي في إرسال الجيش؟

يرتكز الإطار الدولي على مبدأ أساسي: التدخل بدعوة (Intervention by Invitation) أو المساعدة العسكرية بناءً على طلب الدولة المضيفة.

يحظر ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2(4) استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. غير أن الاجتهاد القضائي الدولي (خاصة أحكام محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة 1986 وقضية الأنشطة المسلحة في الكونغو) والممارسة الدولية المستقرة تؤكد أن وجود موافقة صحيحة وواضحة وصادرة عن الحكومة الشرعية يُخرج العملية من نطاق الحظر. فالدولة صاحبة السيادة تملك الحق في طلب مساعدة عسكرية على أراضيها، ولا تُعتبر هذه المساعدة اعتداءً على سلامتها الإقليمية طالما بقيت ضمن حدود الدعوة.

الشروط الجوهرية لصحة الدعوة:

  • أن تصدر عن الحكومة المعترف بها دولياً والتي تمارس السيطرة الفعلية (في حالة النيجر: السلطات القائمة بعد 2023).
  • أن تكون حرة وغير مشوبة بالإكراه.
  • أن تكون صريحة وواضحة في نطاقها ومدتها وأهدافها.
  • ألا تتجاوز حدود الدعوة (مثلاً: حماية منشآت محددة أو دعم عمليات ضد جماعات مسلحة غير حكومية).

في هذه الحالة، الطلب النيجري الرسمي لحماية مشاريع سوناطراك، مدعوماً ببروتوكول التعاون العسكري، يلبي هذه الشروط ظاهرياً. مثل هذه العمليات شائعة في الممارسة الدولية (فرنسا في مالي سابقاً، روسيا في سوريا، وغيرها). لا يُشترط تفويض من مجلس الأمن إذا اقتصرت المهمة على مساعدة بناءً على طلب الدولة المضيفة ولم ترقَ إلى عمل عدواني ضد دولة أخرى.

يُضاف إلى ذلك التزام الجزائر الدستوري (المادة 31) بعدم اللجوء إلى الحرب للمساس بسيادة الشعوب الأخرى، واحترام مبادئ الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. الإرسال هنا يُقدَّم كتعاون ثنائي محدود وليس احتلالاً أو تدخلاً في الشؤون الداخلية.

بالطبع، تبقى التحديات قائمة: ضرورة تحديد واضح لنطاق المهمة ومدتها وسلسلة القيادة، وتجنب الانزلاق إلى صراعات داخلية أوسع، والحفاظ على الشفافية أمام الرأي العام الجزائري والدولي. كما أن أي تصعيد غير محسوب قد يعيد طرح أسئلة حول مبدأ عدم التدخل الذي طالما دافعت عنه الجزائر.

نحول مدروس

يمثل قرار 25 أكتوبر 2026 تحولاً مدروساً في السياسة الدفاعية الجزائرية: من الدفاع الحدودي التقليدي إلى الدفاع المتقدم عن المصالح الحيوية في العمق الاستراتيجي الجنوبي. الخلفيات أمنية (استقرار الساحل)، اقتصادية (سوناطراك ومشاريع الطاقة)، وجيوسياسية (تعزيز الشراكة مع النيجر في مواجهة التحديات الإقليمية). أما قانونياً، فيستند القرار إلى أساس متين في القانون الدولي طالما بقي محصوراً في إطار الدعوة النيجيرية الصحيحة والمحدودة.

النجاح لن يُقاس فقط بنشر المفرزة، بل بقدرتها على تحقيق الأهداف المحددة دون تورط طويل الأمد، وبمدى مساهمتها في تعزيز الاستقرار الإقليمي الذي يخدم في النهاية الأمن الوطني الجزائري. هذه الخطوة تفتح باباً جديداً، لكنها تفرض أيضاً مسؤولية أكبر في إدارة التوازن بين المصلحة الوطنية والمبادئ التي طالما شكلت هوية السياسة الخارجية الجزائرية.

تابعنا على فايسبوك: “أنا الجزائر تك”

أترك تعليق