الرَّئِيس الشّاذلي الطيّبْ… ومُحِيطِهُ السَيّئ!

0
5569

أثارت حكايةُ الشّاذلي مع مساعدية، حول إلياذة الجزائر، لشاعر الثورة مفدي زكرياء، استغرابا كبيرا، واستهجانا، حول ما ذكرتُهُ عن الرّئيس الرّاحل الشاذلي، حتى أن البعض ذهب إلى حدّ التّشكيك فيما كتبتُ، وأنا هُنا أذكر أنّني لا أحترم أيّ رئيس حَكَمَ الجزائر، مثل ما أحترم الرّئيس الرّاحل الشّاذلي بن جديد، بعد هواري بومدين بطبيعة الحال!.

لأنّني توليت في عهد الشاذلي مسؤولية رئاسة تحرير جريدة الشعب، وما أدراك ما جريدة الشّعب في تلك الفترة! وهو أيضا من وافق على تعييني على رأس إدارة جريدة المساء، في صائفة 1991، وقد قال لي ذلك بنفسه، حين إلتقيتهُ في إحدى المُناسبات :”عندما عرض عليَّ سيّد أحمد غزالي أمر تعيينك على رأس جريدة المساء، قلتُ لهُ، إعطيه فرصة”! وقد كان من قُرائي الأوفياء، حيثُ كلّف الزّميل جعفر، الصحفي بوكالة الأنباء الجزائرية، لترجمة العمود إلى الفرنسية، حتى أنّه تمّ إلحاقَهُ بالرّئاسة لهذا الغرض، ولا يزال الزّميل جعفر على قيد الحياة!.

صحيح أنّ الرّئيس الشّاذلي وافق على توقيفي عن الكتابة، في جريدة النّصر، بعد وشاية من أخيه خليفة، الذّي كان واليًا على قسنطينة، إثر كتابتي لعمود بعنوان “الصحافة الكلبية”، لكنّه رحمه الله لم يؤذني أبدا! لهذا فلا أعتقد أنّه بوسعي الإساءة إليه، وهو في دار الحقّ، إنّما أذكر حقائقا للشّباب الذّي لم يعش تلك الحقبة!.

أما بخصوص رعايته للصّحافة، والثّقافة، ولشيوخ الدّين، فأذكر أنّه هو من سنّ جائزة الدّولة للصّحافة والإعلام ، ومُنِحَتْ لي جائزة الصحافة المكتوبة في عهده، وأمّا رعايته لشيوخ الدّين فقد بدأت حتى قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية، فقد استقبل الشّيوخ الذّين حضروا فعاليات ملتقى الفكر الإسلامي الثالث في صائفة 1971، وقام بتكريمهم معيّة الوزير الفذّ مولود قاسم نايت بلقاسم، بغذاء على ظهر باخرة راسية بقاعدة المرسى الكبير، وكانت الجزائر قد استرجعت القاعدة العسكرية من فرنسا قبل ثلاث سنوات!.

وكان من بين المُكرّمين، المُفكر مالك بن نابي، والشيخ محمد الشعراوي، والحبابي، والكعّاك، وقد حضرتُ شخصيًا هذا التّكريم كصحفي، كما أنّ الشاذلي أولى عناية خاصة، بالدّاعية الإسلامي المرحوم، الشيخ محمد الغزالي، فكان كثيرا ما يفطر على مائدته في رمضان، وقد أثّر فيه الغزالي كثيرا، كما أثّر في المجتمع الجزائري، إلى حدّ أنّه غرس فيه فكره عبارة ” أنا بربري عربني الإسلام”!.

قياسًا على عبارة الغزالي التّي يقول فيها:” أنا فرعوني، عرّبني الإسلام”! وهي عبارة لا أتفق معها، لأنّها تخدم العرق العربي، ولا أعتبرها صحيحة، فالإسلام لا يُعرب النّاس، لأنّه لم يرُسل إلى العرب، بل أرسل إلى العالمين”، فلو كان الإسلام يُعرّب الأمم، لكان عرب السّند، والهند، والصين، وأندونيسيا، والسينغال، والأتراك، والفرس، وغيرهم من الأمم! لكن محدودية الشّاذلي رحمه الله في أمور الثّقافة، والدّين، والتّاريخ، واللّغة، هو ما جعله عُرضة لارتكاب مثل هذه الأخطاء وغيرها، واللّوم لا يسقط عليه وحده، بل يعود على الذّين كانوا يُحيطون به، فمثلا كان الشّاذلي رحمه الله لا يفرق بين “الشّجاعة”، و”السّجاعة”، فكان ينطق الأولى على أنّها الثانية، وأراد الدكتور عميمور تصحيح الأمر له، فاغتنم الفرصة بوجود وزير الثّقافة في تلك الفترة عبد المجيد مزيان في الطائرة، في رحلة رئاسية، وسأل الوزير كي لا يُحرج الرّئيس: “أيهما أصح، السّجاعة أم الشّجاعة؟”.

وكان يأمل أن يُصحح الوزير للرّئيس دون إحراجه، ويقول إنّ الشّجاعة هي الأصح، لكن الوزير كان أجبن من عميمور، وغابت عنهما الشّجاعة، فقال له: “يصح الإثنان”! لهذا ظلّ الشاذلي يرتكب نفس الخطأ في خطاباته كلّها، دون حرج!.

في بداية حُكم الشّاذلي، كان كثيرا ما يعتمد على ما يكتب له من الجماعة التّي تركها الرّاحل بومدين في الرّئاسة، وحدث أن كتب له الدكتور عميمور خطابا، لإلقائه في اجتماع اتحاد النّساء بقصر الأمم، وأدرج في النّص الأية الكريمة “مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا”، فلم يلتزم الشاذلي بنص الآية، وشرحها حسب فهمه بلغته البسيطة قائلا: “لا تفهموا الدّين كالحمار الذّي يحمل “الشّواري”!.

وكثيرا ما كان الشاذلي يلقي خطبا بالدّارجة الموغلة في المحلية، لمنطقة “زردازة”، فقال ذات مرة: “الذّين يصطادون في الماء المْدَرْدَرْ”، وكان يقصد الماء العكر، وعندما سمع ذلك، المرحوم محمد فضيل، رئيس تحرير صحيفة المُجاهد، سألني مُستفسرا عن معنى كلمة “المْدَرْدَرْ”، فقُلت له: “سأترجم لك معنى خطاب الرّئيس، من لهجة “زردازة”، مثلما تُترجم لي أنت بعض الأغاني الجميلة لمنطقة القبائل كأغنية “زويت رويت”!.

ومن الأخطاء المُضحكة في خطب الشّاذلي آنذاك، والتّي تُشبه نوعا ما الأخطاء المُضحكة اليّوم في تصريحات الرّئيس، قوله مثلا: “قال الله، صلى الله عليه وسلم”!.. أو قوله: “للمرأة حقوق، سواء كانت ذكرا أو أنثى”!.. أو كقوله: “تجنيد القواعد الخلفية للنّساء”!، أو :”الدّولة التّي ليس فيها مشاكل ليست دولة، ونحن الحمد لله ليست لدينا مشاكل”! وقال أيضا: “المناضلون اللّتين”!.

وأشهد أنّ الشاذلي كان لديه صدر رحب، وكان لديه استعداد لتقبل من يقدم له النّصح، لتصحيح أخطائه، فاليّمين الدّستورية التّي أداها أول مرة، تمت إعادتها أكثر من 4 مرات من طرف الفريق الفني التّلفزيوني، لكثرة الأخطاء اللّغوية المُرتكبة في قراءة نصّ اليمين، وقد قال للفريق الذّي قام بالتّسجيل: “تعبتكم معي، ولن أنسى لكم هذا الجميل”!.

ذات يوم قام بافتتاح المعرض الدّولي، في قصر المعارض، ووقف بأحد الأجنحة الجزائرية المُصنّعة للقوارب من مادة البلاستيك، فقال المهندس القائم للرّئيس مُفتخرا: “قد أصبحت الجزائر اليوم تصنع les hors-boards من مادة البلاستيك!”، ولكن الشّاذلي لم يفهم الكلمة بالفرنسية، وظنّ أنّ المهندس قال له “بابور”، فقال له غاضبا: “كيف تقول لي هذا “بابور”، وهي في الحقيقة فلوكة؟!”.

وعنّفه بالكلام، لأنّه ظنّ أنّه أراد تضليله! وبثت التّلفزة الوطنية تعنيف الشّاذلي للمهندس، وأشادت بحنكة الرّئيس الذّي يُتابع عن كثب التّصنيع في الجزائر، ولا يقبل التّضليل، ويفضحه أمام الرّأي العام! لكنّ المهندس المسكين أراد تصحيح هذا الخطأ في حقه، من قبل الرّئيس، والتّشهير به في التلفزيون الوطني، فلجأ إلى الصحافة المكتوبة بعد رفض التلفزيون تبريره، باعتبار أنّ الرّئيس على حق فيما يقول، حتى ولو كان مُخطئا، فلا يُمكن تقويمه! تمامًا مثلما يحدث اليوم!.

ولكنّني تحمّلت مسؤوليتي ونشرت لهذا المهندس التّقويم للرّئيس، في جريدة الشعب، وثارت ثائرة وزير الإعلام رويس، وكاد أن يُعاقبني، لكن عندما سمع الشّاذلي بالأمر، دفع عنّي العقاب، واتصل بالمهندس المظلوم، واعتذر منه !.

لهذا أكرر وأعيد، أنّ المسؤول الجيّد في الرّئاسة، يصنعه المُحيط الجيّد من حوله!.

بقلم: سعد بوعقبة

Le président algérien Chadli Bendjedid (G) et le Général Khaled Nezzar lors du 35ème anniversaire du déclenchement de la révolution algérienne de 1954, le 1er novembre 1989 à Alger.Algerian President Chadli Bendjedid (L) chats with General Khaled Nazzar during the ceremonies marking the 35th anniversary of the beginning of the Algerian revolution of 1954, 01 November 1989 in Algiers. / AFP PHOTO

فايبر أنا الجزائر… أخبار أكثر شاهد أكثر

أترك تعليق