جزائر ما بعد الاستعمار: أزمة متجددة مع فرنسا في مرآة التاريخ والسياسة

0
1197
  • بين الماضي الاستعماري والرهانات الجيوسياسية الراهنة، تعيش العلاقات الجزائرية الفرنسية أزمة ممتدة تُعيد طرح تساؤلات الهوية والسيادة والمصالح الاستراتيجية

أنا الجزائر: تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية هذه الأيام فصلاً جديدًا من التوتر، يتجاوز الخطابات السياسية إلى قرارات ملموسة تمس التعاون الأمني، الاقتصادي وحتى الثقافي. فبعد سلسلة من التصريحات المتبادلة والتجاذبات حول ملفات حساسة كالهجرة، الذاكرة الاستعمارية، والتدخلات الإقليمية، يبدو أن “التحسن” الذي لوّحت به باريس والجزائر في مناسبات سابقة يتبخر مجددًا أمام حسابات متناقضة.

  • كتب: زبير فاضل

وفي ظل عالم مضطرب يبحث عن تموقعات جديدة، تعود أزمة البلدين إلى الواجهة، ولكن بأدوات ومعطيات أكثر تعقيدًا مما مضى، مما يفتح باب التساؤل: هل نحن أمام قطيعة دبلوماسية حقيقية أم مجرد إعادة تموضع مؤقت؟.

الجراح المفتوحة للتاريخ

منذ استقلال الجزائر سنة 1962، لم تنجح العلاقات الجزائرية الفرنسية في التخلص تمامًا من ظلال الماضي الاستعماري الثقيل. فرغم الاتفاقيات الرسمية والتبادل الدبلوماسي، ظلّت ذاكرة الاستعمار وما خلفه من آلام وتدمير عائقًا أمام بناء علاقة طبيعية بين البلدين. فمطالب الجزائر المستمرة بالاعتراف الرسمي بجرائم الاستعمار وتعويض الضحايا تقابلها فرنسا بصمت أو مواقف رمادية، وهو ما يؤجج التوترات بين الحين والآخر.

في العام 2021، أحدثت تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صدمة في الجزائر عندما شكك في وجود “أمة جزائرية” قبل الاستعمار الفرنسي، واصفًا النظام السياسي الجزائري بأنه “تاريخي-عسكري”. هذا التصريح فجّر أزمة دبلوماسية حادة، دفعت الجزائر إلى سحب سفيرها من باريس مؤقتًا.

 

الاقتصاد رهينة السياسة

بعيدًا عن التاريخ، تعاني العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا من هشاشة ترتبط بتقلب المناخ السياسي. فرغم أن فرنسا كانت لسنوات طويلة الشريك التجاري الأول للجزائر، فقد تراجعت مكانتها لصالح الصين وتركيا وإيطاليا، في ظل رغبة الجزائر في تنويع شركائها وتقليص الاعتماد على فرنسا.

وقد انعكس هذا التوجه في تقليص الشركات الفرنسية العاملة في الجزائر، خاصة في قطاع الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى رفض الجزائر عدة اتفاقيات تجارية أو مشاريع استثمارية كان لفرنسا الدور الأبرز فيها، في محاولة لاستعادة القرار السيادي الاقتصادي.

 

الجالية والفيزا… أزمات متكررة

ملف الجالية الجزائرية في فرنسا من أكثر الملفات حساسية. فالجالية، التي تُعد من الأكبر عددًا في أوروبا، تواجه صعوبات متزايدة بسبب السياسات الفرنسية المتعلقة بالهجرة والإقامات، فضلًا عن تقليص عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين.

في عام 2021، قررت فرنسا تخفيض عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين بنسبة 50%، وهو ما اعتبرته الجزائر “إجراءً غير وديّ”، وردّت عليه بخفض تعاونها في ملف ترحيل المهاجرين غير النظاميين. وازدادت الأزمة تفاقمًا مع تكرار حالات الإساءة للجالية الجزائرية أو تجاهلها في الخطاب السياسي الفرنسي، لا سيما في سياقات انتخابية.

 

التنافس الإقليمي وصراع الأدوار

تسعى الجزائر، منذ سنوات، إلى استعادة دورها الإقليمي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وهو ما يصطدم أحيانًا بمصالح فرنسا في تلك المناطق. فالرؤية الجزائرية المبنية على مبدأ “عدم التدخل” تتناقض مع الدور الفرنسي العسكري في الساحل، ما يجعل البلدين على طرفي نقيض من حيث الأجندة الأمنية والسياسية.

كما أن تقارب الجزائر مع قوى مثل روسيا وتركيا يعكس إرادة سياسية بالانعتاق من المدار الفرنسي التقليدي. هذه التحركات تنظر إليها باريس بريبة، خاصة في ظل التنافس المتزايد على النفوذ في إفريقيا، حيث أصبحت الجزائر فاعلًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه.

 

هل من أفق للحل؟

رغم كل الأزمات، فإن الجزائر وفرنسا لا تستطيعان تجاهل بعضهما البعض. فالعلاقات الاقتصادية، والتاريخ المشترك، والجالية الكبيرة، والمصالح الجيوسياسية، كلها عناصر تجعل من “الطلاق السياسي الكامل” أمرًا صعبًا.

لكن استمرار العلاقات على النمط القديم، القائم على الهيمنة الثقافية والاقتصادية لفرنسا، لم يعد مقبولًا لدى الجزائريين، رسميًا وشعبيًا. لذلك فإن تجديد العلاقة يمرّ، حسب مراقبين، عبر الاعتراف بالماضي، وتحقيق الاحترام المتبادل، وبناء شراكة ندية غير مشروطة.

الأزمة الجزائرية الفرنسية ليست مجرّد أزمة دبلوماسية عابرة، بل هي نتاج قرن ونصف من الاستعمار، وستين سنة من المحاولات غير المكتملة للقطع معه. وإذا لم تتحلّ باريس بشجاعة تاريخية، وتقرّ بمسؤولياتها، فإن العلاقة ستظل تدور في دوامة من المد والجزر، بلا أفق حقيقي للانفراج.

 

تابعنا على فايسبوك: “أنا الجزائر تك”

أترك تعليق