عودة السينما الجزائرية إلى الواجهة… بين استعادة الذاكرة وتكريم القضايا العادلة

0
403

أنا الجزائر: بعد سنوات من الركود والعزلة الفنية، تشهد الساحة السينمائية الجزائرية حراكًا لافتًا يعيد للأذهان زمن المجد السينمائي الذي صنعته أسماء كبيرة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الجزائر واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم العربي والإفريقي. اليوم، تعود الكاميرا الجزائرية إلى الدوران، وتعود القاعات لاستقبال الجمهور، وتعود المهرجانات لتُعيد الثقة في الفن السابع كأداة للوعي، ووسيلة للمقاومة الثقافية، ومنبر للقضايا الإنسانية العادلة.

كتب: زبير فاضل

✦ من “وقائع سنين الجمر” إلى الجيل الرقمي

لقد كانت السينما الجزائرية في زمنها الذهبي مرآةً لروح الثورة، من فيلم “الأفيون والعصا” إلى “وقائع سنين الجمر” الذي حصد السعفة الذهبية في “كان” سنة 1975. غير أن التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها البلاد في التسعينيات أدخلت السينما في حالة سبات طويل. توقفت المشاريع، أغلقت القاعات، وغابت الأفلام عن المهرجانات الدولية.
لكن العقد الأخير حمل مؤشرات بعث جديدة، بفضل جيل من الشباب المبدعين الذين استفادوا من التكوين الرقمي، وبدعم مؤسسات جديدة آمنت بضرورة استعادة المشهد السينمائي الوطني.

✦ المهرجانات تعود… والأنفاس تتجدد

لم تكن عودة المهرجانات مجرد حدث ثقافي عابر، بل شكلت إعلانًا فعليًا عن عودة الحياة إلى جسد السينما الجزائرية.
من مهرجان وهران للفيلم العربي إلى مهرجان الجزائر الدولي للسينما (CIPDA)، مرورًا بمهرجانات تلمسان وبجاية وسيدي بلعباس، عادت الروح إلى القاعات، وعادت الندوات والنقاشات التي تفتح شهية الحوار حول الإبداع، التمويل، والهوية.
هذه المهرجانات لم تكتفِ بعرض أفلام جزائرية فحسب، بل أصبحت فضاءً للقاء بين المبدعين العرب والأفارقة، ومختبرًا لتبادل الرؤى حول سينما ما بعد الرقمنة.

✦ القضية الفلسطينية… في قلب الشاشة الجزائرية

ما يميز عودة السينما الجزائرية اليوم هو وعيها العميق بالبعد الإنساني والسياسي للفن. فقد شهدت العديد من المهرجانات الأخيرة تكريمات خاصة لفلسطين، من خلال عروض أفلام فلسطينية وندوات تضامنية، تؤكد أن الجزائر ما زالت وفية لموقفها التاريخي: مع فلسطين ظالمة أو مظلومة.
من العناوين التي لاقت اهتمامًا واسعًا فيلم “غزة مون آمور” للأخوين ناصر، الذي عرض في أكثر من مهرجان جزائري، إضافة إلى مبادرات من مخرجين جزائريين لتصوير أفلام قصيرة توثّق مأساة الشعب الفلسطيني بلغة رمزية وشعرية.
كما أصبح الاحتفاء بفلسطين جزءًا من هوية المهرجانات نفسها، حيث خُصصت أقسام كاملة تحت شعار “السينما في خدمة المقاومة”، وأقيمت أمسيات فنية تدعو إلى وحدة الذاكرة العربية من الجزائر إلى القدس.

✦ الجيل الجديد… بين الحلم والإمكان

اللافت في هذا الحراك الجديد هو حضور جيل جديد من السينمائيين الجزائريين الذين يصنعون أفلامهم بأدوات بسيطة، لكن بشغف كبير.
هذا الجيل لا يحمل فقط همّ الصورة، بل يسعى لإعادة بناء السرد الجزائري برؤية معاصرة، تنفتح على العالم دون أن تفقد جذورها.
من القصص الاجتماعية إلى الكوميديا السوداء، ومن الوثائقيات الجريئة إلى الأعمال التاريخية، بدأت ملامح مدرسة جزائرية جديدة تتشكل، تعتمد على الواقعية والصدق والالتزام، بعيدًا عن التقليد والاستعراض.

✦ سينما الذاكرة والهوية

السينما الجزائرية، وهي تستعيد موقعها، لا تهرب من ذاكرتها. بل تعود إليها بروح نقدية وبصرية جديدة.
الأعمال الأخيرة مثل “حكاية من الجنوب” و*”آخر الأيام في القصبة”*، أعادت طرح الأسئلة الكبرى حول الذاكرة الوطنية، والهوية الثقافية، والعلاقة بين الماضي والحاضر.
ولعل أجمل ما في هذا الحراك هو أنه لا يسعى فقط إلى صنع أفلام، بل إلى استعادة معنى السينما: بوصفها فعل مقاومة ضد النسيان، وضد التبعية الثقافية، وضد فقدان الروح.

✦ تحديات التمويل والبنية التحتية

رغم هذا الزخم، لا تزال التحديات قائمة. فالإنتاج السينمائي في الجزائر يعاني من نقص التمويل وغياب آليات توزيع فعالة.
كثير من الأفلام تظل حبيسة المهرجانات، دون أن تصل إلى الجمهور الواسع. كما أن القاعات، رغم ترميم بعضها، لا تزال قليلة مقارنة بحجم الطموح.
لكن المؤشرات الحالية تبشر بمرحلة جديدة من الإصلاح، حيث تعمل وزارة الثقافة وشركاؤها على وضع خارطة طريق لدعم الصناعة السينمائية، وجعلها رافدًا اقتصاديًا وثقافيًا حقيقيًا.

✦ مهرجان وهران… عودة العراقة في طبعة مميزة

من أبرز علامات هذا الحراك الثقافي عودة مهرجان وهران للفيلم العربي في طبعته الأخيرة، التي عرفت مشاركة لافتة لأفلام من أكثر من عشرين دولة عربية، وعودة نجوم كبار من الجزائر والعالم العربي إلى البساط الأحمر لعاصمة الغرب الجزائري.
طبعة العام الماضي كانت مميزة بطابعها الإنساني، إذ خصّصت فقرة خاصة للأفلام المقاومة وللقضية الفلسطينية، كما شهدت عروضًا خارج القاعات التقليدية، في الساحات المفتوحة والفضاءات الجامعية، ما جعل من المهرجان تظاهرة شعبية بامتياز.
الأجواء في وهران كانت احتفالية بكل معنى الكلمة: لقاءات بين الأجيال، نقاشات فكرية حول مستقبل السينما العربية، وتكريمات لأسماء جزائرية وعربية تركت بصمتها في الفن السابع.
لقد أعاد مهرجان وهران الاعتبار للسينما الجزائرية كجسر تواصل ثقافي وإنساني، وأثبت أن الفن حين يلتقي بالحرية يصنع الحياة.

✦ نحو سينما جزائرية عالمية

الرهان اليوم هو الانفتاح على العالم دون التفريط في الخصوصية.
السينما الجزائرية تملك كل المقومات: الذاكرة، الطبيعة، الإنسان، اللغة، والروح الثورية. ما تحتاجه فقط هو الاستمرارية والاحترافية، لتعود إلى الساحة الدولية لا كضيف شرف، بل كصانع رؤية.

✦ في الختام

عودة السينما الجزائرية ليست مجرد انتعاش فني، بل عودة وعي جماعي بأن الصورة قادرة على قول ما تعجز السياسة عن قوله.
هي عودة الذاكرة إلى الواجهة، وعودة الجزائر إلى ذاتها… بلد الثورة، بلد الصورة، وبلد فلسطين الدائمة في القلب.

 

 

أترك تعليق