لماذا انقلبت أوروبا على المخزن وفضحته أمام العالم؟

0
682
  • الانقلاب الأوروبي الذي أدان لأول مرة حكم محمد السادس سينعكس حتمًا على خسارة مدوية للمخزن لقضية الصحراء الغربية

شكّل التحوّل الكبير الذي وقعه البرلمان الأوروبي، الخميس الماضي، عقب تصويته بالأغلبية الساحقة (356 عضوا ضد 32 عضوا وامتناع 42 عضوا عن التصويت)، والذي يدين فيه بشدة انتهاكات المغرب لحقوق الإنسان وحرية الصحافة، ويدعو إلى إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين وعلى رأسهم زعيم حراك الريف ناصر الزفزافي، والتوقف عن تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى هذا البلد في إدانة واضحة لتورطه في فضيحة التجسس بيغاسوس، انقلابا كبيرا وتاريخيا في مواقف الأوروبيين حيال النظام المخزني، وذلك مباشرة بعد ثبوت تورط هذا النظام في أكبر فضيحة فساد في أوروبا منذ قرن من الزمن، والتي تتعلق بعمليات إرشاء واسعة لنواب من البرلمان الأوروبي بغرض التأثير في قرارات البرلمان لخدمة مصالح المخزن، في ما بات يعرف اليوم في الإعلام العالمي بفضيحة “موروكو/غيت”.

وتعتبر هذه الإدانة الأوروبية شديدة اللهجة ضد المغرب وسياسات المخزن التعسفية داخل المغرب وحتى خارجه، الأولى من نوعها منذ بداية القرن الحالي، أي منذ بداية حكم الملك محمد السادس، وإذا كانت صحيفة لوموند” الفرنسية” وصفت ما وقع بأنه “ثورة صغيرة” من قبل البرلمان الأوروبي ضد المغرب، فإن الوقائع والدلائل التي تصاحب هذا الملف، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن انقلابا تاريخيا في الموقف الأوروبي قد وقع بالفعل حيال نظام المخزن، وأن مواقف النواب الأوربيين هي انعكاس حقيقي لمواقف الحكومات الأوربية كلها تقريبا، ما عدا حكومة سانشيز بإسبانيا، وأن أياما سوداء تنتظر منظومة الحكم المخزنية من الآن فصاعدا في أوروبا، بعد أن اكتشفت هذه الأخيرة حقيقة نظام المخزن، وأدواره القذرة في التجسس على مؤسساتها وفي محاولات إفسادها بكل الطرق غير الأخلاقية.

وتشير بكل وضوح حيثيات الإدانة الأوروبية الجماعية غير المسبوقة لنظام المخزن، في مجال حقوق الإنسان وقمع حرية الصحافة والاعتقالات السياسية، باستخدام وسائل لا أخلاقية، إلى “إفساد السلطات المغربية لأعضاء منتخبين في البرلمان الأوروبي” بغرض التأثير في قرارات الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل في الجهة المقابلة تأكيدا على تورط المخزن وأجهزته المختلفة في فضيحة القرن المتعلقة بمحاولة المخزن تدمير الديمقراطية الأوروبية ومؤسسات الاتحاد بما يخدم الشمولية المخزنية، ما يحتم على الأوروبيين ممثلين في المنتخبين في الاتحاد الأوروبي، تغييرا جذريا في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه المغرب، وبالتالي الانقلاب عليه بشكل كامل عقابا له بعد أن تجرأ على تخطي الخطوط الحمراء، بحيث تكون البداية هذه المرة مع ملف حقوق الإنسان، وسينسحب الأمر مستقبلا على مجمل العلاقات الاقتصادية والسياسية للاتحاد الأوروبي مع دولة المخزن، وعلى رأسها موقف أوروبا من قضية الصحراء الغربية.

خارطة التصويت ودلالاته الخطيرة

وبقراءة متمعنة لخارطة التصويت على القرار الأوروبي الأخير هذا، نلحظ مدى التغير والتحول الخطير جدا والجذري في الخارطة السياسية لمكانة المغرب داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة وأنها المرة الأولى التي يتم فيها إدانة المخزن بهذه الأغلبية الساحقة من بين أعضاء البرلمان الأوروبي.

وتشير خارطة التصويت على إدانة المغرب إلى حجم الانقلاب الكبير في الموقف الأوروبي من نظام المخزن، حيث صوت من بين 430 نائبا حاضرا لعملية التصويت، 356 نائبا لصالح قرار إدانة المغرب، وهم يشكلون مختلف التيارات السياسية الأوروبية البارزة، بينما لم يصوت ضد قرار الإدانة سوى 32 نائبا فقط، معظمهم من حزب اليسار الاشتراكي الإسباني بزاعمة بيدرو سانشيز، في حين ينتمي البقية إلى تيار اليمين المتطرف في أوروبا، بينما امتنع 42 نائبا عن التصويت، وهم من الحزب الشعبي الأوروبي بما فيه الحزب الشعبي الإسباني، والمعروف عن هذا التيار بأنه لا يتعاطى ولا يتفاعل مع القرارات الاستثنائية.

وما يلاحظ في خارطة التصويت هذه، أن النواب الأوروبيين القلائل الذين كانوا إلى جانب المغرب، هم فقط نواب بيدرو سانشيز المنخرط في صفقات مشبوهة من نظام المخزن، من أجل أنجاح القمة المغربية الإسبانية المرتقبة، الأمر الذي دفع الصحافة الإسبانية للتعليق بأن سانشيز يهين الإسبان في علاقتهم مع المغرب، بالإضافة الى عدد من نواب اليمين الأوروبي المتطرف، الذين سجلوا بموقفهم هذا إدانة إضافية لنظام المخزن وعلاقاته المشبوهة مع التيارات المعادية للهجرة وللمسلمين في أوروبا.

كما أن العلامة الفارقة في قراءة خارطة التصويت هي بالتأكيد هذا الانقلاب الهائل في الموقف الأوروبي برمته حيال المخزن والدولة المغربية عموما، بسبب انكشاف فضيحة “موركو/غيت”، التي جاءت بعد فضيحة “بيغاسوس”، باعتبار ذلك يشكل ردا مباشرا وحاسما على مساعي المخزن تلويث مؤسسات أوروبا الديمقراطية بالفساد الذي يعرفه المغرب، لما يشكله ذلك من إساءة بالغة لسمعة البرلمان الأوروبي في العالم، ولمؤسسات أوروبا الديمقراطية خاصة أمام شعوبها.

أما العلامة الفارقة الثانية، هو الدور الكبير الذي لعبه نواب الرئيس ماكرون في سحب البساط من تحت المخزن والملك محمد السادس، خاصة وأن العلاقات الفرنسية المغربية في أسوأ حالاتها، خاصة بعد التقارب الجزائري الفرنسي، واشتراط المخزن على باريس موقفا صريحا مؤيدا للطرح المغربي في قضية الصحراء الغربية لتطبيع العلاقات، وهو ما رفضته فرنسا باعتباره ابتزازا واضحا، لصالح علاقات الرباط الجديدة مع واشنطن وتل أبيب على حساب علاقاتها التاريخية مع باريس.

تداعيات الانقلاب

ومن الطبيعي أن يكون لهذا الانقلاب الأوروبي الكبير حيال سياساته مع المغرب، تداعيات كبيرة، لعل أبرزها إعادة النظر في موضوع الشراكة الأوروبية الاقتصادية مع المغرب، حيث كشف مسؤولون في البرلمان الأوروبي بينهم النائب ميغل أوروبان، أنه من الآن فصاعدا على الاتحاد الأوروبي ربط علاقاته بالمغرب بملف حقوق الإنسان، واشترط ذلك تحديدا في موضوع العلاقات الاقتصادية والمساعدات المالية والقروض التي تقدمها أوروبا للمغرب، مع ضرورة رفض الابتزاز المغربي المعهود بملف الهجرة، الأمر الذي سيدخل المغرب في نفق مظلم خاصة وأنه مقبل على انهيار اقتصادي في القريب العاجل، مع الانهيار الكبير لعملة الدرهم المغربي.

ومن شأن هذا القرار الأوروبي الملزم معنويا أن يتطور ليكون ملزما ماديا، لاعتبارات كثيرة بينها، السوابق التي جعلت من تصويت البرلمان الأوروبي ملزما لكثير من الحكومات الأوروبية على غرار قرار منع بيع الأسلحة لبعض الدول العربية على خلفية حرب اليمن، كما أن البرلمان الأوروبي بإمكانه تعطيل جميع الاتفاقيات التي قد يوقعها الاتحاد الأوروبي مع المغرب، بشرط احترام توصيات القرار الأخير حول حقوق الإنسان.

أما ما هو أخطر، فإن ملف الصحراء الغربية الآن، وبعد هذا القرار من البرلمان الأوروبي، سيصبح أكثر تعقيدا بالنسبة للمغرب لإقناع الأوروبيين بصوابية موقفه حول الحكم الذاتي، الأمر الذي قد يحاصر حتى الموقف الإسباني المتماهي مع الموقف المغربي، ويجعل من حكومة سانشيز في وضع حرج للغاية أمام بقية الشركاء الأوروبيين، الأمر الذي يجعل من كل جهود المخزن التي بذلها لتغيير مواقف الحكومات الأوروبية من قضية الصحراء في مهب الريح.

وما يرعب المخزن من هذا الانقلاب الكبير، أنه سيؤثر بشكل مباشر في الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي في موضوع نهب خيرات الصحراء الغربية، مثل الأسماك والمواد الخام والفوسفات الذي يشكل نسبة كبيرة من مداخيل وميزانية المغرب، بما قد يعيد الى الطاولة حكم محكمة العدل الأوروبية في سبتمبر 2021، والذي أعلن أن اتفاقيات الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب باطلة، وتأثير ذلك على الحكم النهائي للمحكمة العليا المرتقب خلال العام الجاري.

صدمة في المغرب واتهامات للجزائر

وأمام هذه التطورات الخطيرة، وحالة الصدمة التي يوجد عليها الآن المخزن جراء هذا الانقلاب الأوروبي الكبير، لم تجد الدوائر المخزنية من مشجب لتعلق عليه فشلها، وافتضاح أمرها أمام أوروبا والعالم كله، سوى اتهام الجزائر بطريقة كاريكاتورية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بالوقوف وراء تغير الموقف الأوروبي، والادعاء بأن الجزائر قامت بشراء ذمم النواب الأوروبيين.

ورغم الصمت الرسمي للسلطات المغربية في ردها على قرار البرلمان الأوروبي، وتحرّج الإعلام المخزني في الخوض بشكل موسع في هذه الفضيحة المدوية، إلا أن وزير خارجية المخزن ناصر بوريطة، لم يتوان بالتنديد بوجود حملة إعلامية وسياسية لبعض الأقليات ضد المغرب، وهذا على الرغم من أن قرار الإدانة جاء بالأغلبية الساحقة، ولا يمكن لـ356 نائبا أوروبيا أن يكونوا أقلية، أو أن تقوم الجزائر بشرائهم جميعا.

والمثير للدهشة، أن المغرب من خلال نظامه المخزني، بدل أن يحاول لملمة الفضيحة، والخروج منها بأقل الأضرار، عبر معاقبة المؤسسات المتورطة في إرشاء النواب الأوروبيين، وعلى رأسها جهاز المخابرات الخارجية بقيادة ياسين المنصوري، يواصل سياساته القديمة في الهروب إلى الأمام، بالدفاع عن تلك الأجهزة الفاسدة، وبالتالي التورط أكثر فأكثر في الفضيحة، حيث قامت لجنة برلمانية مغربية تمثل أحزاب الأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة، بإرسال رسائل ألكترونية إلى جميع النواب الأوروبيين قبل عملية التصويت، في محاولة منها لثنيهم عن إدانة المغرب، ما يؤكد أن المخزن وصله قبل التصويت أن الإدانة ثابتة عليه، وبالتالي يؤكد مجددا أنه ما يزال يمتلك بعض البيادق داخل البرلمان الأوروبي، الأمر الذي يورط المخزن أكثر فأكثر، ويدفع للتحقيق مع من تبقى من أذيال المخزن داخل البرلمان.

وطبعا لم يغب عن اللجنة البرلمانية المغربية، ومن خلفها باقي الإعلام المخزني، تكرار نفس الموّال المتعلق بوجود جهات تحاول التأثير على الاتحاد من أجل خلق أزمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في إشارة واضحة إلى الجزائر، في محاولة بائسة لتوجيه الرأي العام الداخلي والخارجي بعيدا عن حقيقة المخزن وفساده المدوي.

إلا أن هذه المحاولات أصبحت اليوم، وأمام الفضائح الكبيرة التي شاهدها العالم كله لنظام المخزن، مجرد تهويمات فارغة، حيث هزم المخزن نفسه بنفسه، دون حاجة الجزائر أن تطلق عليه رصاصة الرحمة.. فقد تكرست عزلة هذا النظام اليوم أوروبيا وإفريقيا ودوليا، إلا من حليفته وحاميته “إسرائيل”.

عن الإخبارية

فايبر أنا الجزائر… أخبار أكثر شاهد أكثر

أترك تعليق