مواطن صار لا يأكل وممون يتحكم في الأسعار

0
28
  • غلاء المعيشة في الجزائر: “مواطن لا يأكل” ولوبيات التموين تستنزف المطاعم المدرسية والجامعية

أنا الجزائر: لم يعد الارتفاع الجنوني وغير المسبوق في أسعار الخضر والفواكه واللحوم في الأسواق الجزائرية مجرد أزمة تضخم عابرة تثقل كاهل العائلات فحسب، بل تحول إلى مظلمة اجتماعية حقيقية تتجسد مأساتها في عبارة قاسية ومختصرة: “مواطن لا يأكل”. وفي وقت تعلّق فيه الجهات الوصية هذه الأزمات على مألوف الشماعات، كالمتقلبات المناخية، الجفاف، وحلقات الوساطة العشوائية، تتكشف في الكواليس خفايا شبكات وممونين يستغلون الوضع لغايات أخرى أكثر خطورة.

  • كتب: زبير فاضل

بين مبررات الوصاية وصدمة المواطن

تحاول الجهات الرسمية تفسير هذا الالتهاب المستمر في الأسعار عبر عوامل موضوعية؛ كالتقلبات المناخية التي تضرب الإنتاج الفلاحي، وتنامي دور السماسرة والوسطاء غير المعتمدين في أسواق الجملة الذين يعمدون إلى الاحتكار وخلق الندرة الوهمية، فضلاً عن ارتفاع كلفة الأعلاف ومستلزمات الإنتاج.

لكن لغة الأرقام والمبررات الرسمية تبدو عاجزة تماماً عن ردم الهوة مع الواقع المرير. فالأجر القاعدي والمعاشات تقف منكمشة أمام قفة تضخمت أسعارها أسبوعاً بعد أسبوع، مما دفع بالمواطن البسيط إلى حافة العجز التام عن توفير أبسط المواد الأساسية، محولاً إياها إلى “كماليات” بعيدة المنال، ومخلفاً ضغطاً نفسياً واجتماعياً هائلاً على الأسر العاجزة عن إطعام أبنائها.

لوبيات التموين: وجه آخر للاستنزاف الممنهج

ولا يتوقف خطر هذا الالتهاب عند حدود الأسواق اليومية للأسر، بل يتعداه إلى مستوى أعمق وأكثر خطورة يتمثل في دور مموّني المطاعم المدرسية، الجامعية، والهيئات الأخرى. إذ تعمد بعض هذه الأطراف والشبكات المنظمة إلى ركوب موجة غلاء الأسعار كذريعة وغطاء لرفع قيمة الفواتير للسنة الجديدة بشكل مبالغ فيه.

إن هذا الجشع المالي لا يمثل فقط سعياً لتحقيق أرباح خيالية على حساب المال العام وميزانيات الدولة المخصصة للقطاعات الاجتماعية، بل ينعكس بشكل مباشر وكارثي على الميدان عبر استنزاف المال العام من خلال تضخيم فواتير التموين بطرق ملتوية مستغلة ذريعة التهاب السوق، والمساس المباشر بالحقوق الأساسية عبر تقليص حصص التغذية ورداءة نوعية الوجبات المقدمة للتلاميذ والطلبة، وصولاً إلى تغذية حلقة من التواطؤ وغياب الرقابة التي تثير تساؤلات كبرى حول نجاعة آليات الرقابة على الصفقات العمومية وتحويل ميزانيات الدعم إلى غنائم تسيل لعاب شبكات تسعى للثراء السريع على حساب بطون الجياع.

نحو تطهير جذري وحماية حقيقية

إن مواجهة هذه الأزمة المركبة لا يمكن أن تقتصر على الحملات الموسمية أو الخطابات الردعية المؤقتة، بل تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرب أيدي لصوص المال العام والمضاربين بتشديد الرقابة على صفقات التموين الخاصة بالمطاعم المدرسية والجامعية والهيئات العمومية ومراجعة دفاتر الشروط، إلى جانب تطهير مسالك التوزيع والحد من نفوذ الوسطاء غير القانونيين، ووضع حماية القدرة الشرائية للمواطن البسيط والتلميذ والطالب في صلب أولويات السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

وحده التحرك الميداني الصارم والشفاف الكفيل بإعادة التوازن إلى الأسواق ووقف نزيف الاستنزاف، لكي لا تظل عبارة “مواطن لا يأكل” تلخص وحدها واقعاً مؤلماً في بلد ترصد فيه الميزانيات الضخمة لحماية كرامة أبنائه.

تابعنا على فايسبوك: “أنا الجزائر تك”

أترك تعليق