
واسيني الأعرج يكتب عن الشاب المغدور جمال بن سماعيل

الملائكة تموت أيضا (1)
(لم أعد قادرا لا على النوم، ولا على الصمت)
لم يكن في نية جمال “جيمي” أن ينتحل شخصية بومثيوس ويسرق النار المقدسة بامان، من جبل الأولمب، ويمنحها هدية للبشرية. فالنار كانت قد تحولت إلى قيامة. وكان زوس قد هاج فربط برمثيوس على جبل كوكاز وترك النسر يخترق كبده. لم يكن نصف إله روحه في كاحله لا يعرف مكانها إلا من عرف أسرار الأساطير. كان يحمل روحه في كفه المليء بالرغبة في تلمس آلام الناس وتحسس جراحاتهم، وإطفاء النار. عندما سئل:
– ماذا يمكنك أن تفعل بيدين مجردتين؟
– الفنان يطفيء الحرائق بكفه وقلبه وحبه حتى ولو نشبت فيه.
كان صباح مليانة ساحرا في هذا الصيف الحار، جبال زكار المديدة تمنح فجرا ناعما امام المسافرين.
شرب قهوته لسرعة. وضع لوحته الأخيرة التي لم ينهها في الزاوية. أخفى قيثارته في الجانب الأيمن من سريره. شرب قهوة ثقيلة، ثم خرج لا يحمل في جرابه الصغير شيئا سوى بعض أدوية الحروق التي اشتراها من أقرب صيدلةن بالدراهم التي استلفها “إخوتنا في منطقة القبائل ينتظروننا. في مثل هذه الطروف كل الأدوية تنفع”، بعض الأقلام الملونة لرسم الحرائق، عن قرب. صعب ان نشعر بالنار إذا لم نقترب منها، كل فنان هو في النهاية هو فراشة النار. ثم مشى نحو قدر لم يتخيله ولم يتصوره ابدا. هو يعرف جيدا خديعات الحياة لكنه يعرف ايضا أنه سيد المحبة والخير. هو يعرف المنطقة جيدا وقد زارها مرات عديدة في لقاءات متكررة مع أصدقائه إلى الكثير من الأماكن في الجزائر.
وصل منهكان لكنه لم يرتح. عندما التقى بالوجوه التي تشبهه في كل شيء وإن فرقتهم اللغة، شعر بالراحة والغحجاب بشباب لا يملكون اية وسيلة للغطفاء إلا أجادهم الزكية. نفس الأيادي المشقوقة بسبب التعب اليومي والعمل الثقيل لفتح براكين الأرض وتحويلها إلى برد وسلام، ثم الرماد والخيبات التي تملا القلوب نفس الأمل الذي لا يظهر غلا كلما برقت العيون بدمعة.
تماما كما في تراجيديات الأولين. لم يعرف أنه من بين إخوته الذين احتضنوه كان هناك ذئاب تتربص به. راى بعضها لكنه تخلى عن الفكرة لأن الذي قاده غلى المكان لم يكن إلا تقاسم الحزن الجزائري الثقيل الذي اصبح من الصعب تحمله. أحاطوا به وهو بجسده الهش ظل يغطي الناس بمديحه وحبه.
ثم مشى في الصفوف الأولى التي اقتربت من النار. مشى بمحاذاة النار التي كان يهرب منها الناس. هل كان فراشة تريد الاحتراق؟ غام داخل الأدخنة مستجيبا للأصوات التي كانت تأتي من يعيد. وقف يستمع إلى مصدر الصوت لإنقاذه لأن الصرخة كانت جافة ويابسة. كانت الشرطة تبحث عن مضرمي النيران في الغابات. لمحوه ملتصقا بشجرة يستمع غلى أعماقه. لم يسالوه، وضعوه داخل سيارة الشرطة مع الدعاية بأن الشرطة ألقت القبض على أحد مضرمي النار. التهبت لاربعا ناثيراثن، وهي تصرخ المجرم. المجرم. المجرم. حاول أن يشرح للشرطي أنه مصور ومغنّ وأنهم على خطأ. لكن العقل وقتها كان تحجر. كان العمى سيد اللحظة. وانطلقت السيارة وسط الادخنة والرماد وشعلات النار، نحو الكوميسارية.
(يُتبع)












