سيدة العلمة.. قصة الجهل والخوف من المجهول

0
3719
  • مجتمعنا في خطر!

في مشهد يعكس تناقضات المجتمع الجزائري، وقفت سيدة منقبة في مدينة العلمة تنتظر ابنتها أمام مدرسة، ممسكة بكراس تدوّن فيه آيات من القرآن الكريم، محاولة ترجمة بعض الكلمات إلى الفرنسية. فعل بسيط، لكنه أثار موجة من الفوضى والتخويف، حيث تحوّل فضول الحاضرين إلى اتهامات بالسحر والشعوذة، وتحوّل الهدوء إلى هرج ومرج، في لحظات تكشف عن عمق الجهل والهوس بالمجهول في مجتمعنا.

**من فضول إلى اتهام**
بدأ الأمر بهمسات: “من هي؟”، “ماذا تكتب؟”، ثم تصاعدت الأصوات إلى صراخ. انتزع أحدهم الكراس من يدها، وتجمّع الناس حولها، يصورون ويصرخون: “سحر!”، “بلغوا الشرطة!”. لم يسأل أحد عن حقيقة الأمر، ولم يفكر أحد في استيضاح نواياها. اكتشف لاحقًا أن السيدة، وهي مغتربة، كانت تكتب آيات قرآنية وتحاول فهمها بلغتها الثانية، الفرنسية، في محاولة للتقرب من دينها. لكن بدلاً من التقدير، واجهت اتهامات وإهانات، بينما ابنتها الصغيرة تشاهد أمها تُحاصر وسط حشد غاضب.

**مجتمع يخاف المجهول**
هذه الحادثة ليست مجرد قصة عابرة، بل انعكاس لثقافة الخوف من الغريب والمجهول. في مجتمع يعاني من تراجع القيم، وتفشي الجشع والرشوة، وتفكك الأسرة، يبدو أن الخوف من “السحر” أو “العين” أصبح شماعة مريحة للهروب من مواجهة المشكلات الحقيقية. بدلاً من التصدي للجهل والتخلف، ينشغل البعض بالبحث عن أسباب غيبية لتبرير الفشل، تاركين المشكلات الحقيقية دون حل.

**دور الإعلام: مرآة أم مضخم للجهل؟**
كان من المفترض أن يلعب الإعلام دورًا في رفع الوعي وتصحيح المفاهيم، لكنه، للأسف، غالبًا ما ينزلق إلى مستنقع التريندات والإثارة الرخيصة. بدلاً من تفنيد الخرافات، يسهم بعض الإعلاميين في تضخيم القصص السطحية، مما يعزز من ثقافة الجهل ويؤجج الانفعالات بدلاً من تعزيز العقلانية. وهكذا، تتحول قصص مثل قصة سيدة العلمة إلى مادة للتشهير بدلاً من فرصة للتثقيف.

**صرخة من أجل التغيير**
ما حدث في العلمة ليس حادثة معزولة، بل جرس إنذار. مجتمعنا بحاجة إلى ثورة وعي حقيقية، تبدأ من إعادة بناء المنظومة التعليمية التي كانت في السابق تنتج أفرادًا قادرين على مواجهة تحديات الحياة، واليوم تكافح لتعليم الشباب مهارات أساسية. الأسرة، بدورها، بحاجة إلى استعادة دورها التربوي، بينما يجب على الإعلام أن يتحمل مسؤوليته في بناء الوعي بدلاً من استغلال الخرافات.

**خطوة نحو الأمام**
إن إصلاح هذا الواقع يتطلب جهدًا جماعيًا. يجب محاسبة من شاركوا في التشهير بالسيدة، وتعويضها معنويًا عن الإهانة التي تعرضت لها. لكن الأهم هو البدء في تغيير العقلية الجمعية، عبر تعزيز التفكير النقدي، وتشجيع القراءة والسؤال، ومواجهة الجهل بشجاعة. سيدة العلمة ليست مجرمة، بل ضحية مجتمع يخاف من المجهول أكثر مما يخاف من جهله. فهل نستطيع أن نوقف هذه المهزلة ونبدأ صفحة جديدة؟.

بقلم: زبير فاضل

 

 

 

 

 

أترك تعليق