جذور وأبعاد الخلاف الصامت والمستتر بين الجزائر والإمارات

0
59
  • لا علاقات دبلوماسية بين الجزائر والإمارات

أنا الجزائر: لم يكن قرار الجزائر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لسنوات من التراكمات والتجاذبات السياسية التي حولت العلاقات من خانة “التعاون والشراكة الاستراتيجية” إلى مربع “الخلاف الاستراتيجي المفتوح”. ويرتبط هذا التأزم العميق باختلاف الرؤى والمصالح في ملفات إقليمية ودولية حساسة، مست تموقع الجزائر الجيوسياسي وأمنها القومي.

فيما يلي قراءة التاريخ المعاصر لهذا التأزم وأبرز المحطات التي قادت إلى هذا القرار الحاسم.
1. بداية الفجوة: اختلاف التوجهات السياسية (2019 – 2021)
بدأت ملامح التباعد تطفو على السطح عقب الحراك الشعبي في الجزائر عام 2019 وتغيّر القيادة السياسية. نظرت الجزائر بحذر شديد إلى التحركات الإماراتية في شمال إفريقيا، ولا سيما بعد توقيع “اتفاقيات التطبيع” عام 2020، حيث اعتبرت الجزائر تقريب قوى خارجية من حدودها الغربية والجنوبية تهديداً مباشراً لعمقها الاستراتيجي، وبداية لتقسيم النفوذ في المنطقة بما لا يخدم مصالحها.
2. الصدام الجيوسياسي في الملف الليبي
مثّل الملف الليبي أحد أبرز نقاط الخلاف الجوهري بين البلدين:
  • المقاربة الجزائرية: دافعت الجزائر دائماً عن حل سياسي داخلي (ليبي-ليبي) بعيداً عن التدخلات العسكرية الأجنبية، وأكدت على وحدة التراب الليبي ودعم المؤسسات الشرعية المعترف بها دولياً.
  • المقاربة الإماراتية: ركزت أبوظبي على دعم أطراف عسكرية وسياسية محددة في شرق ليبيا، وهو ما اعتبرته الجزائر محاولة لفرض واقع عسكري على حدودها الشرقية يهدد استقرار المنطقة ككل.
3. معركة النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي
امتد الخلاف إلى العمق الحيوي للجزائر في منطقة الساحل (مالي، النيجر، وتشاد):
  • اتهمت أوساط سياسية وإعلامية جزائرية مقربة من صناع القرار أبوظبي بمحاولة اختراق منطقة الساحل عبر ضخ استثمارات واستخدام نفوذ مالي لتقويض الدور الجزائري التقليدي كوسيط أساسي للاستقرار (مثل اتفاق السلم والمصالحة في مالي).
  • شعرت الجزائر أن التحركات الإماراتية هناك تهدف إلى عزلها ديبلوماسياً والضغط عليها في ملفات أمنية حساسة تتعلق بالهجرة غير الشرعية والجماعات المسلحة.
4. التوترات الصامتة والتصعيد الإعلامي (2023 – 2025)
في هذه الفترة، انتقل الخلاف من الغرف المغلقة إلى العلن بشكل تدريجي:
  • التحذيرات الأمنية: شهدت الجزائر اجتماعات للمجلس الأعلى للأمن برئاسة رئيس الجمهورية، صدرت عنها تلميحات قوية وتصريحات غير مباشرة حول “تصرفات عدائية” من دولة عربية “شقيقة” دون تسميتها علناً، متهمة إياها بنشر التجسس والدعاية المغرضة.
  • الحرب الإعلامية: شنت وسائل إعلام تابعة للطرفين حملات متبادلة، حيث ركز الإعلام الجزائري على كشف ما وصفه بـ”المؤامرات الدنيئة” ضد البلاد، بينما انتقد إعلام محسوب على الإمارات السياسة الخارجية للجزائر وتحالفاتها الإقليمية.
5. مطلع عام 2026: مؤشرات القطيعة الاقتصادية والجوية
قبل الوصول إلى الإعلان الرسمي لقطع العلاقات، بدأت المؤشرات العملية تظهر على الأرض:
  • إلغاء اتفاقية النقل الجوي: في مطلع عام 2026، قررت الجزائر إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي التي كانت تربطها بالإمارات، وهو ما مثل ضربة قوية للتبادل التجاري وحركة الأشخاص، ومؤشراً واضحاً على أن الأزمة تجاوزت الخلاف السياسي إلى قطيعة هيكلية.
  • مراجعة الشراكات: بدأت الجزائر في مراجعة وتجميد العديد من المشاريع الاستثمارية والاتفاقيات الاقتصادية التي كانت تجمعها بشركات إماراتية في قطاعات حيوية كالموانئ والصناعات التبغية والعقارات.
إن قرار الجزائر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات ليس حدثاً معزولاً، بل هو النتيجة الحتمية لمسار طويل من “تصادم المصالح” الاستراتيجية. فقد رأت الجزائر في التحركات الدبلوماسية والمالية لأبوظبي في محيطها المباشر تجاوزاً للخطوط الحمراء التي تمس أمنها القومي وسيادتها، في حين تمسكت الإمارات بخياراتها في هندسة نفوذ إقليمي جديد في المنطقة، مما جعل الطلاق الدبلوماسي بين البلدين أمراً لا مفر منه بعد استنفاد كافة قنوات الحوار والوساطة.

تابعنا على فايسبوك: “أنا الجزائر تك”

أترك تعليق