صدور آخر مؤلّفات إسماعيل يبرير: “مدار الكلب”… أو العالم من وجهات نظر أخرى!

0
648

أنا الجزائر: صدرت المجموعة القصصيّة الجديدة للروائي الجزائري إسماعيل يبرير “مدار الكلب” عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة، وهي المجموعة التي يحاول من خلالها الكاتب اكتشاف العالم بعيون كائنات متحرّكة حيّة، على غرار القطط التي تسرد بعض التفاصيل والكلاب التي تتجوّل في القصص كشاهدة أو فاعلة في الأحداث، والأشجار والرّوبوتات وغيرها.

ونقع المجموعة القصصيّة الجديدة في 112 صفحة من القطع الصغير، تطرح فيها أسئلة مختلفة حول ضرورة العلاقات والوجود الإنساني والحب والمشاعر المتبادلة، وكيف ينظر الإنسان إلى العالم حوله، وبالعكس كيف ينظر العالم المحيط بالإنسان إليه، حيث تطغى الرمزية والإسقاطات والاستعارات على الحطابات والشخوص في أغلب الأحيان، وفي مسار مواجه توجد القصص والحكايات البسيطة التي تغلّف هذا العمق الفلسفي الذي يريده الكاتب غير واضح.

تتألف المجموعة من تسع قصص على لسان الحيوانات والبشر، وبحضور الروربوتات أحيانا، وهي: “الطاحونة”، “محفل الممكن”، “الفأر الذّهبي”، “رجل في الرّابعة مساء أو صباحا”، “قبّعة الغريب”، “إنقاذ الشجرة المخطوفة”، “عازف الورق”، “عائلة بيتشو الشريدة”، “التباس ألماني”، ويغيب التقاطع بين أحداق القصص، إلا أنّ الأحداق والعوالم تكاد تكون ذاتها، واتجاهاتها غير منفصلة، إذ تشكّل نوعًا من التكامل الفني، باستثناء قصة “رجل في الرّابعة مساء أو صباحا” التي تعيد اكتشاف الوقت ومفهومه، في لحظة صادمة لرجل يجد نفسه في عصر مختلف بعد أن فقد عصره، ولعلها رمزية لقيمة الوقت.

ويطرح الكاتب نظرة الناس إلى الغريب المختلف من خلال قصّة “قبّعة الغريب” التي يصبح فيها البطل محطّ اهتمام أهل الحي بسبب مظهره، فيجتمعون على احتمالات مختلفة لحياته، وبين الحذر والترقب يحولونه إلى محطّ اهتمامه، وفي قصّة “محفل الممكن” يفتح المؤلف مجالا للحيوانات لتتشارك مع البشر حفلا صاخبا، بينما يعيش الرجل الفأر عذابا أليما مع القطط المنتشرة في كلّ مكان والمحتفى بها على عكسه في نص “الفأر الذّهبي”.

يواصل الكاتب طرحه الغرائبي حين يقدّم لنا بطل قصة “إنقاذ الشجرة المخطوفة” الذي يقع في حب شجرة على الطريق ويسعى جاهدا للدفاع عنها، بينما يضعنا في قلب أزمات نفسيّة محرجة يعيشها أبطال قصّتي “عازف الورق” و”التباس ألماني”، وينهي حياة عائلة مكوّنة من مجموعة من الحيوانات بالإضافة إلى الزوجين بطريقة كوميدية سوداء في قصة “عائلة بيتشو الشريدة”، أمّا في قصة “الطاحونة” فيقدّم لنا صراعا حادّا بين الأجيال وبين الغرباء والمحليّين، وبين الحيوانات المختلفة، إذ ينشأ صراع بين قرد وكلب، وبين الوافد على الحيّ والمقيمين، وبين العجوز والشاب.

في المجمل القصص تسبر أغوار الأبطال وتقدّمهم كحالات محتملة وممكنة في الحياة اليومية، لكنّها تعتمد على إضفاء الغرائبية والجنون والانطلاق على ردود أفعلها، وذلك بمبررات الفن والإبداع وحرية الخيال، ويفرد الكاتب خلال ذلك فسحة للحوار بين الشخوص تنبع منها أسئلة متروكة للقارئ للإجابة عليها في محاولة لإشراك المتلقي وإقحامه في جوّ القصص وعالمها.

اختار الكاتب أن يقدّم عبارة “ثمّة دائما كلب في الحكاية!” في عتبة المجموعة، وهي إحالة لها رمزيتها في الثقافة العامة لدى أغلب الشعوب، فبينما الكلب هو رمز للوفاء، يمكن اعتباره لقبا أيضا للشتم لدى الكثيرين، وضمن هذين الدورين يتراوح حضور الكلب في القصص.

ودوّن الناشر على ظهر غلاف الإصدار: “في مجموعته القصصية الجديدة، يأخذنا المبدع إسماعيل يبرير في رحلة من نوع خاص، رحلة في مدح الكلاب والبشر والكائنات كلها.

قصص غاية في الصدق، يغوص بنا داخل نفسيات الأبطال، لنراهم في وصف خارجي، وتحليل داخلي، تمكن منه الكاتب في لغة ثرية ووصف يجعلنا نعايش الأحداث كأننا نراها. ينتقل من لسان البشر إلى لسان الحيوان ببساطة وتمكن، دون أن نستشعر غرائبية ما يحدث، كأنه معتاد وتقليدي. نتوقف لنتفكر قليلاً في تلك الدفقات الإنسانية المليئة بالرّهافة، الممزوجة بحب الحيوانات والأشجار والطبيعة، لنخلص لنتيجة واحدة، ألا وهي أن العالم بكل ما يحويه من كائنات هي منظومة واحدة متكاملة،وإن اختلفت فيها أدوارنا.”

قدم الروائي الجزائري إسماعيل يبرير عدة أعمال أدبية من بينها مجموعته القصصية الأولى “كأشباح ظريفة تتهامس”، وعدد من الروايات التي استغلت على المكان والتاريخ السياسي للجزائر والهوية والحب ومنها: “مولى الحيرة” و”وصيّة المعتوه” و”باردة كأنثى” و”منبوذو العصافير” و”العاشقان الخجولان”، وله مشاركة في المسرح ودواوين شعر منشورة، وقد نال الكثير من الجوائز داخل الجزائر وخارجها.

لدى يبرير مشاركات في الجامعة كأستاذ وباحث وهو حاصل على شهادة دكتوراه في اللسانيات وعلوم الاتصال، وقد شغل مناصب مهمة في عالم الصحافة والإدارة.

 

 

• مقطع من قصّة:

“رجل في الرّابعة مساء أو صباحا!”

دخلتُ المدينة مساءً، توقّعتُ أنّهُ المساء، نظرتُ في ساعتي فوجدتُ عقاربها متجمّدةً بلهاء، كانت تشيرُ إلى الرّابعة صباحا أو مساءً، ذاتهُ الوقت الذي ركبتُ فيه القطار الغريب، كنت مُتعبا فلم ألتقط الكثير من الأمور خلال رحلتي، تمدّدتُ ونمت، وحين وصل القطار سمعتُ المسافرين يغادرون، وكاد النّعاس يحجزني لولا أنّ المقعد تحرّك تحتي، فقفزت، ثمّ رأيتهُ يختفي في قلب العربة ويغيب، نزلت مندهشًا كاتما الحيرة التي ستتضاعفُ في محطّة المسافرين، بدا لي النّاس غرباء، كأنّي أمام عالم جديد، ربّما أكون قد نزلت خطأ في مدينة غير التي قصدتها، تأهّبت لأسأل العابرين عن المكان الذي نحن فيه، لكنّي تردّدت، في الحقيقة خشيت أن ينطقوا بلغةٍ أخرى فتتعاظم خيبتي، جلستُ على مقعدٍ ورحت أتأمّل ملامح النّاس، تلك الملامح مُضيئة وحقيقيّة، يعني أنّي لا أحلم، كلّ ما في الأمر أنّي أفتقدُ الوجوه التي عرفتها في مدينتي التي لا أعرف أين هي، ولا أعرف إن كنتُ أقف على أرضها أو على أرضٍ بعيدة عنها، ملامح أهل مدينتي كانت أقرب إلى الرّماديّ البرّاق، مزيجٌ مُختلف من الوجوه التي تبتسم محافظةً على علامات الكدح والتّعب، رغم ذلك سأتظاهر بأنّي لا أشكو غربة. أجلس على الكرسيّ الحديديّ البارد كواقعي، وأرقبُ العابرين وهم ينطلقون دون انتباه لبعض، الجميعُ يمشي مُسرعا كأنّ القطار سيفوته، أمّا أنا فأحاول عبثا تذكّر المحطّة التي جئت منها، فلا أعثر على شيء، أذكرُ فقط مدينتي قبل عشرات السّنين، ولا أعرف إن كان الذين أراهم من أهل مدينتي أم هم من عالم آخر وصلت إليه بالخطأ! كانت أمامي طفلةٌ جميلة تمشي ممسكةً بدميتها الحديديّة، كانت الدّمية تقلّد الطّفلة في كلّ حركاتها، وكنتُ أنا مشدوها، ولأنّ الطّفلة كانت الوحيدة التي انتبهت إلى وجودي فقد ابتسمت لها، لكنّها توقّفت تحدّق بي، ثمّ وسّعتُ أكثر في ابتسامتي وحرّكتُ رأسي مُبتهجا، فقطّبت حاجبيها وفتحت عينيها بشدّة، وسّعَتهُما حتّى أرعبتني، خمّنت أن أقف وأغادر المكان، إلا أنّ سقوط عينها اليمنى وتدحرُجها في رخام المحطّة زاد من رعبي، فأغمضتُ قليلا والتقطت أنفاسي، حين فتحت عيني كانت الطّفلةُ تشدّ يد أمّها التي التقطت العين وراحت تثبّتها، أمّا الدّمية فقد توقّفت عن تقليد مولاتها، مضت الطّفلة وأمّها والدّمية وبقيت على حيرتي.

 

اقرأ تحقيق الشهر:

الرقمنة والذكاء الاصطناعي يغيران طرق عملنا… دقة واختصار للوقت، لكن!

تابعنا على فايسبوك: “أنا الجزائر تك”

أترك تعليق