
علاوة حاجي: وثائقي “فرانس 5” لم يسئ للحراك الشعبي!

نشر الكاتب الجزائري الشاب علاوة حاجي رايه فيما يخص وثائقي قناة فرانس 5 على حسابه على الفايسبوك بعنوان “من زاوية أُخرى” هذا ما جاء فيه.
بمشاهد بانورامية التُقطت مِن علٍ لمظاهراتٍ في شارع ديدوش مراد وشوارع قريبة منه بالجزائر العاصمة، مرفقةٍ بهتافات “الشعب لا يريد بوتفليقة والسعيد”، يبدأ فيلم “الجزائر حبيبتي” (70 دقيقة) في سرد روايته للحَراك الشعبي في الجزائر.
بعد صُوَر سريعة لمظاهراتٍ في مدنٍ جزائرية أُخرى وفي تواريخ متفرّقة بدءاً من أولى أسابيع الحَراك إلى الحملة الانتخابية لرئاسيات ديسمبر 2019، تُرافقها هتافات “الشعب يريد يروحوا ڤاع” وتعليقٌ يُخبرنا بأنّ المظاهرات عمّت جميع مناطق البلاد “من وهران إلى العاصمة ومن عنابة إلى تمنراست”، يعود بنا الوثائقيُّ مجدَّداً إلى العاصمة بوصفها بؤرةً للأحداث.
لاحقاً، نبدأ في الاستماع إلى خمسةِ أصواتٍ لشبّان جزائريّين “وُلدو وعاشوا في فترة حُكم عبد العزيز بوتفليقة”؛ أكبرُهم سنّاً في التاسعة والعشرين وأصغُرهم في العشرين من عمره. مِن الواضح أنَّ السؤال الذي وُجّه إلى خمستِهم هو: كيف عشتَ لحظة 22 فبراير 2019؟ هكذا جاءت الأجوبةُ متقاربةً لجهة أنَّ انطلاق الحَراك الشعبي بذلك الزخم كان مفاجئاً، وأنه كان بمثابة حُلمٍ شخصي لكلّ واحد منهم، حلمٌ يعبّر عن صحوة أو استفاقة شعب، وفق تعبيرهم.
قبل أن يُواصلَ الشبابُ الخمسة أحاديثهم، يعود بنا الوثائقي إلى الوراء بأكثر من نصف قرن من خلال صُوَر بالأبيض والأسود لاحتفالات الجزائريّين باستقلال بلادهم في الخامس من جويلية 1962، ثمّ يطرح المعلّق سؤالاً غريباً: “من كان يتصوّر أن يخرج الجزائريون، بعد 57 عاماً، للمطالبة برحيل “جبهة التحرير الوطني”؛ هذا الحزبُ الذي أوصل البلاد إلى طرقٍ مسدودة ورهن ثرواتها وتاريخها؟”.
مكمنُ الغرابة في هذا السؤال يتمثّل في أنه يتصوّر أنّ الجزائريّين انتظروا أكثرَ من نصف قرنٍ ليطالبوا برحيل حزب السلطة، بينما الحقيقةُ أنَّ الاصطدام معه بدأ باكراً جدّاً؛ فبعد أقلّ من سنةٍ من الاستقلال، استقال حسين آيت أحمد – وهو أحد قادة الثورة التحريرية – من المجلس التأسيس وأسّس حزباً معارضاً، ثم لم يلبث أن حمل السلاح ضدّ رفقاء الأمس. وبعد 25 سنةً من ذلك، أي في الخامس من أكتوبر 1988، ستشهد البلاد أكبر ثورةٍ شعبية ضدّ السلطة ممثّلةً في الحزب الأوحد. وبين أكتوبر 1988 وفبراير 2019، لم تتوقّف مظاهر رفض ممارسات السلطةِ وأجهزتها؛ سواء كانت ممثَّلةً في حزب “جبهة التحرير الوطني” أو في ما شاكلها من أحزابٍ وفعاليات سياسية، وقد اتّخذت تلك المظاهرُ أشكالاً دراماتيكية غير ما مرّة.
يعود الوثائقيُّ إلى الشباب الخمسةِ ورواياتهم الشخصية لما حدث، مع ربطه بالماضي القريب متمثّلاً في العشرية السوداء التي تَظهر كحدثٍ يؤكّد، من جهةٍ، ارتباطَ الحاضر الذي يُخيّم عليه اليأس بالماضي الذي خيّمت عليه الدماء والدموع. إحدى المتحدّثين شابةٌ في السادسة والعشرين قُتل والدها الذي كان شرطياً على يد إرهابيّين عام 1997. مِن جهة أُخرى، تحضر هذه المرحلةُ بالنظر إلى كونها مبرّراً لاستمرار حُكم بوتفليقة “الذي قضى على الإرهاب وجاء بالأمن”؛ وهي الاستمرارية التي أدّت في ما بعدُ إلى انطلاق الحراك.
يُركّز الوثائقيُّ على الجانب النفسي للشباب الجزائري الذي يعيش وضعاً خانقاً يجعلُ “الشاب العشريني يشعر أنه في الستّين من عمره”. لكنَّ المفارقة أنه ينقلُ هذه الصورة على لسان شابٍ عشريني من الجزائر العاصمة يبدو أنه يعيش حياته طولاً وعرضاً. ماذا عن شبابٍ في مثله عُمره في مناطق نائية ومعزولةٍ في البلاد؟ بالتأكيد وضعُه أفضل من أوضاعهم بشكلٍ لا يُقارَن.
ستقودنا هذه الجزئية إلى طبيعة الأشخاص الذين اختيروا ليتحدّوا في الوثائقي؛ فما يجمعُهم، إضافةً إلى أعمارهم المتقاربة، هو أنّهم ذوو مستوياتٍ تعليمية عالية (محامٍ وفنيةُ سينما وطالب ومهندس وطبيبة أعصاب)، وينتمون إلى خلفياتٍ ثقافية وأيديولوجية متقاربة، يتحدّثون بالفرنسية ويُفكّرون بطُرُقٍ متقاربة أيضاً، كما أنهم ينتمون إلى مناطق محدّدة: اثنان منهما من الجزائر العاصمة، واثنان من تيزي وزّو، وواحدٌ من وهران.
لا وُجود لشبابٍ من مُدنٍ جزائرية أُخرى، من الجنوب مثلاً، لا وجودٍ لشبابٍ يتحدّث باللغة العربية، حتّى وإن كان يُعبّر عن الآراء نفسها. وهذا يُحيلنا مجدَّداً إلى الصور الأكزوتيكية الدارجة في الخطاب الغربي؛ سواءٌ اتّخذ أشكالاً صحافيةً أو أدبية أو سينمائية، وهي صُوَرٌ لا تنتجها المخيّلة الغربية فحسب، بل ينخرط الجزائريّون أنفسُهم في صناعتها عن أنفسِهم؛ سواءٌ من منطلقاتٍ أيديولوجية أو لأسباب تسويقية بحتة.
ما فعله مخرج “الجزائر حبيبتي”، مصطفى قسوس (1979)، وهو صحافيٌّ مُتخصّص في الصحافة الرياضية وُلد وعاش في فرنسا، لا يخرجُ عن هذا الإطار الاختزالي. ومن الواضح أنه كان يبحثُ عن صوتٍ واحدٍ لعمله وإن تعدّدت الأصواتُ التي تتحدّث فيه؛ ففي ردّه على سؤالٍ لجريدة “الوطن” (الثلاثاء 26 مايو 2020) عن سبب اقتصار عمله على النخب الحضرية والفرانكوفونية في الجزائر، أجاب بالقول إنه اختار في البداية أشخاصاً من مختلف الطبقات الاجتماعية مِن الشمال والجنوب والشرق والغرب، لكنَّ بعضهم واجه صعوباتٍ في الانخراط في العمل، “لأن هذا النوع من الأفلام يتطلب التزاماً تامّاً”. وليست واضحةً طبيعةُ هذا الالتزام الذي يتحدّث عنه قسّوس: الالتزام بمرافقة الوثائقي طيلة أشهر، أم القدرة على التعبير عن الآراء وتحمُّل تداعيات ذلك؟
لكن، هل علينا أن نلوم هؤلاء الشباب؟ بالتأكيد لا، فلا أحد منهم زعم أنه يتحدّث باسم الحراك. في النهاية، عبّروا عن آرائهم الشخصية التي علينا أن نحترمها (الحرياتُ كانت وستبقى جزءاً من مطالب الجزائرّيين)، بغضّ النظر عمّا إذا كانت تُعبّر عن أقليةٍ أم أغلبية في المجتمع الجزائري، وفي حراكه الشعبي.
هُم ليسوا مسؤولين عن السياق الذي وُضعت فيه تصريحاتهم، وربما لم يكونوا ليواجهوا ما واجهوه من انتقاداتٍ لو أنَّ الوثائقيَّ تضمّن آراء مختلفة؛ لشبّان جزائريّين ذوي خلفياتٍ دينية أو يحلمون بدولةٍ إسلامية مثلاً.
هل يُسيء الوثائقيُّ إلى الحراك؟ برأي لا؛ ذلك أنَّ الحراك الشعبيَّ لا يُختزَل في وثائقيٍّ فضّل نقل الصورةٍ من الزاوية التي تناسب أصحابه. أمّا بالنسبة إلى المصابين بالحراكوفوبيا، مِن السلطة والشعب في آن، فهُم لا ينتظرون شريطاً وثائقياً تعرضه قناة “فرانس 5″ ليقولوا إنَّ الحراك المستمرّ يقوده مثليّون وملحدون و”أبناء فرنسا” كما ورد على لسان وزير سابق، وأنه “تأسّس بعد اجتماعٍ في باريس”، كما قال أحدُهم في قناةٍ تلفزيونية عمومية قبل أيام.













بل اساء للدولة والشعب والجيش والحراك لا يمثله أولائك الشواذ