
نشاط جانبي يتحول إلى مشروع تجاري مستدام: اقتصاد صنّاع المحتوى في الخليج يشهد مرحلة مفصلية

- مقال ضيف بقلم لانس أوهارا، نائب الرئيس لمحفظة منتجات إنترنت الأشياء الطرفية في Seagate
لم يعد اقتصاد صنّاع المحتوى، الذي ارتبط طويلاً بالمؤثرين ومقاطع الفيديو واسعة الانتشار، مجرد ظاهرة عابرة على المنصات الرقمية، بل تحوّل بهدوء إلى أحد أسرع القطاعات الرقمية نمواً في منطقة الخليج.
يشير اقتصاد صنّاع المحتوى، في جوهره، إلى الأفراد الذين يؤسسون جماهيرهم عبر الإنترنت ويحوّلون المحتوى إلى مصدر دخل. ويشمل ذلك صنّاع المحتوى على يوتيوب وتيك توك، ومقدّمي البرامج الصوتية، وصنّاع الأفلام، واللاعبين ومقدّمي البث المباشر. وما يجمع هؤلاء جميعاً هو أنهم ينتجون المحتوى، وينشؤون المجتمعات الرقمية، ويحققون الدخل من خلال الشراكات مع العلامات التجارية، أو الإعلانات، أو الاشتراكات، أو المبيعات المباشرة.
في الخليج، يحدث هذا التحوّل بوتيرة لافت. فعبر دول مجلس التعاون الخليجي، ارتفع عدد صنّاع المحتوى الذين يحققون دخلاً من أعمالهم إلى نحو 263 ألف صانع محتوى، بنمو قدره 75% خلال عامين فقط. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها، يتوقع أن يناهز حجم إيرادات هذا القطاع 1.8 مليار درهم في عام 2026. فما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره عملاً جانبياً بات يتطور اليوم إلى منظومة مهنية منظمة ومتكاملة.
الأهم من ذلك أن صنّاع المحتوى لم يعودوا يكتفون بتشكيل ثقافة الجماهير، بل أصبحوا يقودون حركة التجارة أيضاً. ففي دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، يقول 73% من المستهلكين إنهم أجروا عملية شراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال العام الماضي، في مؤشر واضح على مدى تأثير المحتوى في قرارات الشراء اليومية.
لكن مع اتساع الفرص، تتصاعد الضغوط أيضاً. فصنّاع المحتوى اليوم ينتجون مواد أكثر، عبر منصات أكثر، وبوتيرة أسرع من أي وقت مضى. فقد تنشر مؤثرة في مجال التجميل مقاطع قصيرة يومية، وتدير تعاونات مع علامات تجارية، وتشغّل واجهة بيع عبر المنصات الاجتماعية. وقد يصوّر صانع أفلام محتواه بدقة 4K، ويعدّل نسخاً متعددة منه، ثم يوزعه على جمهور عالمي. وفي الوقت نفسه، يبرز جيل جديد من صنّاع المحتوى، من اللاعبين ومقدّمي البث المباشر، ممن يؤسسون جماهير ضخمة عبر المحتوى الحي والمباشر.
يساهم هذا القطاع الفرعي وحده في إعادة رسم ملامح المشهد. فعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تضاعفت جماهير البث المباشر خمس مرات خلال أربع سنوات فقط، فيما شهدت ساعات المشاهدة ربع السنوية ارتفاعاً كبيراً. ولم تعد الألعاب الإلكترونية مجالاً متخصصاً محدوداً، بل أصبحت إحدى أكثر بوابات الدخول حيوية إلى اقتصاد صنّاع المحتوى.

غير أن وراء هذا النمو الظاهر تحدياً لا يدركه كثيرون خارج القطاع بالقدر الكافي. فكل قطعة محتوى تولّد بيانات. وهكذا، تتراكم لقطات الفيديو، وتسجيلات البث المباشر، ونسخ المونتاج، والرسومات، والأرشيفات سريعاً لتشكّل مكتبات محتوى ضخمة ومتنامية. ومع تطور صيغ إنتاج هذا المحتوى نحو مستويات الدقة الأعلى، واعتماد الإنتاج بدرجة أكبر على الذكاء الاصطناعي، يتوسع حجم هذه البيانات بمعدلات هائلة.
لكن هذه البيانات لم تعد عبئاً تشغيلياً فحسب، بل أصبحت أصلاً تجارياً بحد ذاتها. فبالنسبة إلى صنّاع المحتوى، تتزايد قيمة المحتوى السابق باستمرار. ويمكن تحويل مقطع فيديو واحد إلى صيغ متعددة تناسب منصات مختلفة. كما يمكن إعادة استخدام المواد المؤرشفة في حملات جديدة أو صفقات ترخيص. ويمكن تفكيك المحتوى الطويل إلى مقاطع قصيرة لإطالة زمن حضوره وتعزيز انتشاره وملاءمته. وفي عصر الإنتاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي، بدأ صنّاع المحتوى يستخدمون مكتباتهم الخاصة لإعادة تدريب الأدوات، وتوليد أصول إبداعية جديدة، وتسريع سير العمل.
بعبارة أخرى، ما ينتجه صانع المحتوى اليوم يواصل توليد القيمة غداً. ويغير هذا التحول طريقة تفكير صنّاع المحتوى في أعمالهم؛ فالمحتوى لم يعد مادة قابلة للاستهلاك السريع ثم النسيان، بل أصبح قيمة تراكمية. ومن هذا المنطلق، تصبح إدارته بفاعلية عاملاً حاسماً لاستدامة النمو.

ربما يؤدي التباطؤ في تحميل ملف إلى تفويت موجة رائجة. وقد يعني فقدان ملف ضياع فرصة إيرادات. أما تشتت سير العمل، فربما يؤخر الإنتاج ويحدّ من فرص إعادة استخدام المحتوى أو تحقيق الدخل منه على المدى الطويل. ومع توسع أعمال صنّاع المحتوى، تصبح القدرة على تخزين المحتوى والوصول إليه وإعادة استخدامه بصورة موثوقة ركيزة أساسية.
مع تنامي قيمة هذه البيانات، ترتفع كذلك كلفة فقدانها. لذلك، لم يعد التخزين الموثوق والقابل للتوسع مجرد اعتبار تقني أو تفصيل مؤجل، بل أصبح البنية التحتية التي تجعل بناء مشروع مستدام في اقتصاد صنّاع المحتوى أمراً ممكناً. ويعزز الوصول العالمي لصنّاع المحتوى في الخليج هذا التحول؛ فأكثر من 95% من وقت المشاهدة لقنوات يوتيوب التي تتخذ من دولة الإمارات مقراً لها يأتي اليوم من خارج الدولة، ما يعكس قدرة صنّاع المحتوى المحليين على بناء جماهير دولية ومشاريع قابلة للتوسع.
في الختام، لم يعد الانتشار الواسع هو التحدي الحقيقي في اقتصاد صنّاع المحتوى اليوم، بل يكمن التحدي الآن في بناء شيء مستدام.
تابعنا على فايسبوك: “أنا الجزائر تك”














