العودة إلى الإعدام في الجزائر: من التجميد الاختياري إلى الردع الأشد

0
41

أنا الجزائر: شهدت السياسة الجنائية في الجزائر تحولاً جذرياً ومفصلياً بإقرار تعديلات عميقة على قانون العقوبات. هذا التحول أعاد تفعيل عقوبة الإعدام إلى الواجهة القانونية والتنفيذية بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجميد. وجاءت هذه الخطوة لتعكس رغبة الإرادة السياسية العليا في البلاد، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، في تبني مقاربة “الردع الأشد” لمواجهة أنماط مستحدثة من الجرائم الخطيرة التي باتت تهدد الأمن القومي والنسيج الاجتماعي.

  • كتب: زبير. ف
أولاً: أسباب وخلفيات تجميد تنفيذ العقوبة (1993–2026)
لم تلغِ الجزائر عقوبة الإعدام من نصوصها القانونية قط، بل استمرت المحاكم الجنائية في إصدار الأحكام بها طوال العقود الماضية. ومع ذلك، فإن آخر تنفيذ فعلي لعقوبة الإعدام يعود إلى عام 1993، في حق المتورطين في التفجير الإرهابي الذي استهدف مطار هواري بومدين الدولي. وتعود أسباب وقف التنفيذ طيلة 33 عاماً إلى عدة اعتبارات:
    1. الالتزامات الدبلوماسية والتعهدات الدولية: انخرطت الجزائر في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان وصوّتت لصالح توصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام (مثل التوصية الصادرة عام 2007). 
    2. الضغط الحقوقي وتفادي الصدام الخارجي: حاولت الحكومات المتعاقبة الموازنة بين الحفاظ على العقوبة في قانونها الداخلي كأداة ردع سيادية، وبين الاستجابة للتقارير والضغوطات الصادرة عن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان.
    3. غياب النصوص التنظيمية: جُمّد التنفيذ إجرائياً عبر حجب النصوص والآليات التنفيذية الخاصة بكيفية تطبيق العقوبة من قِبل السلطة التنفيذية، مما أبقى الأحكام الصادرة حبراً على ورق.

ثانياً: قرار الرئيس تبون ودوافع العودة إلى التنفيذ الفعلي
أمام التغيرات المقلقة في طبيعة الجرائم، أصدر الرئيس عبد المجيد تبون توجيهات مباشرة لوزارة العدل بتعديل القانون ورفع التجميد لضمان التطبيق الصارم لعقوبة الإعدام. وتتمحور المسوغات الأساسية لهذا القرار حول ثلاثة دوافع رئيسية: 
1. تحول الحرائق العمدية إلى جريمة منظمة وتخابر خارجي
عاشت الجزائر في السنوات الأخيرة على وقع موجات حرائق غابات مأساوية ومتكررة، كان آخرها في نهاية أغسطس 2026 في ولايات شرق البلاد، والتي خلفت ضحايا وخسائر مادية معتبرة.
وكشفت التحقيقات الأمنية والقضائية عن “تحول خطير ومقلق”؛ إذ تبين أن إضرام النيران لم يعد مجرد جنحة تخريب عادية، بل عمل مدبر يتم في كثير من الأحيان بإيعاز وتنسيق مع جهات خارجية وأطراف أجنبية بقصد تقويض أمن الدولة والمساس بالوحدة الوطنية، مما رفع الجرم إلى مصاف الخيانة العظمى والاعتداء على السيادة.
2. تنامي جرائم اختطاف الأطفال والاعتداء عليهم
شكلت قضايا اختطاف القُصّر والتنكيل بهم صدمات متتالية للرأي العام الجزائري. وللحد من تفشي هذه الظاهرة وحماية الفئات الهشة، نصت التعديلات المدفوعة بتوجيهات الرئاسة على تفعيل الإعدام كعقوبة حتمية ومباشرة لكل من يثبت تورطه في اختطاف طفل، وتتضاعف صرامة العقوبة إذا اقترنت بالفعل الجرمي مظاهر التعذيب، أو الاعتداء الجنسي، أو التنكيل بجثة الضحية.
3. الحرمان من الظروف المخففة والاستجابة للمطالب الشعبية
لطالما نادى الشارع الجزائري والأوساط المحافظة بالقصاص وتفعيل الإعدام لتحقيق الردع العام. واستجابةً لذلك، تضمن التعديل الجديد مادة جوهرية تحرم المدانين بجرائم الحرائق واختطاف الأطفال من الاستفادة من أي “ظروف مخففة” قد تمنحها المحكمة لتخفيض العقوبة، مما يجعل حكم الإعدام نافذاً وغير قابل للاستبدال بمجرد استنفاد درجات التقاضي ورفض العفو. 
ثالثاً: الضمانات القانونية والموازنة السياسية
رغم الطابع التشددي والردعي الصارم للقانون الجديد، حرصت الحكومة الجزائرية، عبر وزارة العدل، على التأكيد بأن العودة لتنفيذ العقوبة محاطة بأعلى درجات المحاكمة العادلة والنظام القضائي المتعارف عليه دولياً، من خلال:
  • إلزامية الدفاع: وجوب حضور ومشاركة محامٍ مع المتهم في كافة مراحل التحقيق والجنايات.
  • التقاضي على درجات متعددة: إتاحة استئناف الأحكام الابتدائية أمام محاكم الجنايات الاستئنافية ثم الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا.
  • المحطة الأخير (العفو الرئاسي): لا يمكن المضي قدماً في تنفيذ أي حكم إعدام إلا بعد عرض الملف كاملاً على رئيس الجمهورية، وصدور قرار رسمي برفض طلب العفو.

وصادق نواب المجلس الشعبي الوطني، اليوم الخميس، على القانون المعدل والمتمم للقانون المتضمن قانون العقوبات، والذي يتضمن تفعيل عقوبة الإعدام على مرتكبي جرائم الحرائق واختطاف الأطفال.

وجرى التصويت على مشروع القانون خلال جلسة علنية ترأستها رئيسة المجلس الشعبي الوطني، خليدة بوفدش، بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي.

ويتضمن النص إقرار عقوبة الإعدام ضد مرتكبي جنايات إشعال النار عمدًا في الغابات والحقول، والتخريب العمدي للأملاك العمومية والخاصة، المرتكبة لصالح أطراف أجنبية، في إطار الخيانة والتخابر أو الجريمة المنظمة، وكذا ضد كل من يحاول المساس بالأمن والنظام العموميين، أو الوحدة الوطنية، أو الاستقرار الاقتصادي والبيئي.

وفيما يتعلق بحماية الأطفال، جاء قانون العقوبات في صيغته المعدلة لتعزيز الحماية الجزائية لهم، من خلال إقرار عقوبة الإعدام على مختطفي الأطفال بأي وسيلة كانت، مع تشديد العقوبة في حال اقتران الجريمة بالتعذيب أو الاعتداء الجنسي أو التنكيل.

كما ينص القانون على عدم استفادة الشخص المدان بارتكاب إحدى الأفعال المتعلقة بالحرائق أو الاعتداء على الأطفال من الظروف المخففة التي يقرها قانون العقوبات.

تمثل عودة الجزائر لتطبيق عقوبة الإعدام عام 2026 بقرار سيادي تحولاً استراتيجياً كبيراً في فلسفتها العقابية؛ حيث غلّبت الدولة اعتبارات الأمن القومي الحيوية وحماية أرواح مواطنيها وممتلكاتهم على حساب الالتزامات الدبلوماسية المرنة. وفي ظل الانقسام بين الترحيب الشعبي بالقصاص والردع وبين التحفظات الحقوقية الدولية والمحلية، تظل الأيام المقبلة كفيلة باختبار مدى نجاعة هذا “الردع الأشد” في كبح الجرائم المستحدثة وحفظ استقرار البلاد.

تابعنا على فايسبوك: “أنا الجزائر تك”

أترك تعليق